التنظيم النظامي للخبرة الفنية في المنازعات القضائية في النظام السعودي: قراءة نظامية.
المقدمة
تُعد الخبرة الفنية من الوسائل التي يستعين بها القضاء للوصول إلى حقيقة المسائل الفنية أو المتخصصة التي تخرج عن نطاق المعرفة المعتادة للقاضي، متى كان الفصل في النزاع متوقفًا على الإحاطة بجوانب فنية أو علمية أو حسابية أو غيرها من المسائل التي تتطلب معرفة متخصصة، وتبرز أهمية الخبرة في المنازعات القضائية بالنظر إلى ما قد تتضمنه بعض الوقائع محل النزاع من مسائل فنية لا يمكن تقديرها بمجرد المعرفة القضائية العامة، مما يستدعي الاستعانة بمن تتوافر فيه الخبرة اللازمة لفحص تلك المسائل وإبداء الرأي الفني بشأنها.
وقد نظم المنظم السعودي أحكام الخبرة ضمن نظام الإثبات، مبينًا ضوابط الاستعانة بالخبير، وإجراءات ندبه، ومهامه، وما يترتب على تقرير الخبرة من آثار في الدعوى، مع بقاء سلطة المحكمة في تقدير ما يقدمه الخبير من نتائج في حدود ما يقرره النظام. وقد تناولت الدراسة النظامية للخبرة القضائية طبيعتها وأهميتها وخصائصها، إلى جانب تمييزها عن وسائل الإثبات الأخرى وشروط تعيين الخبير.
ونستند في هذا البحث على المنهج الوصفي التحليلي، لوصف الموضوع كما هو مع تحليل النصوص النظامية ذات الصلة.
المطلب الأول: مفهوم الخبرة الفنية وتمييزها عن وسائل الإثبات الأخرى
أولًا: مفهوم الخبرة الفنية
يقصد بالخبرة الفنية الاستعانة بشخص تتوافر لديه معرفة أو دراية متخصصة في مجال معين، ليتولى فحص مسألة فنية أو علمية مرتبطة بالدعوى، وإبداء رأيه فيها وفقًا لما يباشره من أعمال فنية وفحوص ودراسات، بما يعين المحكمة على تكوين تصورها عن الواقعة محل النزاع، ولأهميتها وضرورتها لقد نص نظام الإثبات في مادته رقم (110) على أن:” للمحكمة من تلقاء نفسها أو بناء على طلب أحد الخصوم – أن تقرر ندب خبير أو أكثر- ، لإبداء رأيه في المسائل الفنية التي يستلزمها الفصل في الدعوى, ونلاحظ أنها نصت على شرط جوهري لقبول هذا الطلب أو رفضه ألا وهو وجود مسائلة جوهرية يقف عندها الفصل في الدعوى والحكم فيها من عدمه.
وتختلف الخبرة عن المعرفة القضائية المعتادة؛ إذ إن محلها مسائل تحتاج إلى تأهيل أو تخصص فني لا يفترض توافره لدى القاضي، كالمسائل الهندسية والمحاسبية والطبية والفنية والتقنية وغيرها، ومن ثم فإن دور الخبير ينحصر في المسائل الفنية التي يندب لأجلها، ولا يمتد إلى الفصل في المسائل القانونية التي تختص بها المحكمة، وتتسم الخبرة القضائية بعدد من الخصائص، من أبرزها ارتباطها بالدعوى القضائية، وقيامها على أساس فني أو علمي متخصص، وكونها ذات طبيعة فنية تابعة للعمل القضائي، إذ يستعين بها القاضي في المسائل التي تحتاج إلى معرفة فنية.
ثانيًا: تمييز الخبرة الفنية عن الشهادة
تختلف الخبرة الفنية عن شهادة الشهود من حيث طبيعة كل منهما والغاية المقصودة منهما؛ فالشهادة تنصب على إخبار الشاهد بما أدركه بحواسه من وقائع متعلقة بالدعوى، في حين أن الخبير يقدم للمحكمة رأيًا فنيًا في مسألة تتطلب معرفة أو تخصصًا معينًا، كما يختلف الخبير عن الشاهد من حيث مصدر المعلومات؛ فالشاهد يستمد معلوماته من إدراكه الشخصي للواقعة، بينما يستمد الخبير رأيه من تخصصه وما يجريه من فحص أو دراسة أو تحليل للمسألة المعروضة عليه، وعليه، فإن الخبرة لا تهدف إلى إثبات الواقعة من خلال مجرد نقل ما شاهده الخبير، وإنما إلى تقديم معرفة فنية متخصصة تساعد المحكمة في فهم واقعة أو مسألة فنية مرتبطة بالنزاع.
ثالثًا: تمييز الخبرة الفنية عن المعاينة
تختلف الخبرة عن المعاينة من حيث طبيعة الإجراء والغاية منه؛ فالمعاينة تقوم على انتقال المحكمة أو من تندبه لمباشرة مشاهدة محل النزاع أو الشيء المتعلق به والوقوف على حالته بصورة مباشرة، بينما تقوم الخبرة على الاستعانة بشخص متخصص لفحص المسألة الفنية وإبداء الرأي فيها.
ومن ثم، قد تجتمع المعاينة والخبرة في بعض المنازعات متى اقتضت طبيعة النزاع ذلك، إلا أن لكل منهما نطاقًا مختلفًا؛ فالمعاينة تقوم على الإدراك المباشر لمحل النزاع، أما الخبرة فتقوم على المعرفة الفنية المتخصصة وتحليل ما يعرض على الخبير من وقائع أو مستندات أو أشياء.
المطلب الثاني: الحالات التي تستوجب الاستعانة بالخبرة
الأصل أن المحكمة لا تحتاج إلى الاستعانة بالخبير في المسائل التي تدخل في نطاق المعرفة العامة أو التقدير القضائي المعتاد، وإنما تظهر الحاجة إلى الخبرة عندما تكون المسألة محل النزاع ذات طبيعة فنية أو علمية أو تخصصية، ويتوقف الفصل فيها على معرفة لا تتوافر عادةً للقاضي.
وتتعدد الحالات التي قد تستدعي الاستعانة بالخبرة بحسب طبيعة المنازعة، ومن ذلك المنازعات التي تتطلب فحصًا هندسيًا أو محاسبيًا أو طبيًا أو تقنيًا، أو التي تستلزم إجراء عمليات فنية أو حسابية أو تحليلية للوصول إلى نتيجة معينة.
وتظهر أهمية الخبرة بصفة خاصة عندما تكون المسألة الفنية مؤثرة في تكوين قناعة المحكمة بشأن الواقعة محل النزاع، بحيث يتعذر الوصول إلى النتيجة المطلوبة بالوسائل العادية للإثبات وحدها. وفي هذه الحالة تكون الخبرة وسيلة مساعدة للمحكمة في استجلاء الجانب الفني من النزاع، دون أن تحل محل المحكمة في أداء وظيفتها القضائية.
كما قد تستعين المحكمة بالخبرة لفحص المستندات أو الحسابات أو الأعمال محل النزاع، أو لتحديد مدى مطابقة الأعمال للمواصفات الفنية، أو تقدير الأضرار التي تتطلب تحديدًا فنيًا، أو بحث المسائل التي تستلزم معرفة تخصصية في المجال محل الدعوى.
وبذلك، فإن مناط الاستعانة بالخبرة لا يتمثل في مجرد وجود مسألة مرتبطة بالدعوى، وإنما في كون هذه المسألة ذات طبيعة فنية أو تخصصية يكون إبداء الرأي فيها قائمًا على معرفة فنية لا تكفي فيها المعرفة العامة.
المطلب الثالث: الأساس النظامي للاستعانة بالخبراء وضوابطها
نظم المنظم السعودي الخبرة باعتبارها إحدى وسائل الإثبات التي يجوز للمحكمة الاستعانة بها متى اقتضت طبيعة النزاع ذلك، وذلك من خلال الأحكام المنظمة للخبرة في نظام الإثبات، إلى جانب الأحكام ذات الصلة بتنظيم الخبرة أمام الجهات القضائية, وعليه ويستند اللجوء إلى الخبرة إلى حاجة المحكمة إلى الاستعانة بذوي الاختصاص في المسائل الفنية، بحيث يباشر الخبير المهمة المحددة له وفق ما تقرره المحكمة، ويقدم تقريرًا يتضمن ما توصل إليه من نتائج فنية في حدود المهمة المسندة إليه, وهذا ما نصت عليه المادة (110) السابق ذكرها.
وتخضع الاستعانة بالخبير لعدد من الضوابط، من أهمها أن تكون المهمة المطلوب من الخبير مباشرتها ذات طبيعة فنية أو تخصصية، وأن يكون الخبير مؤهلًا للقيام بالمهمة المسندة إليه، وأن يلتزم بحدود المهمة التي تحددها المحكمة، وأن يباشر عمله باستقلال وتجرد، وألا يتجاوز اختصاصه إلى إبداء الرأي في المسائل القانونية التي تختص بها المحكمة.
كما أن اختيار الخبير لا ينفصل عن ضمانات الحياد والاستقلال؛ إذ تناول التنظيم السعودي شروط تعيين الخبير والحالات التي يجوز فيها رده أو استبعاده، بما يكفل سلامة أعمال الخبرة وعدم تأثرها بأي مصلحة شخصية أو علاقة قد تؤثر في حياد الخبير، حيث نصت المادة (20) من القواعد الخاصة بتنظيم شؤون الخبرة أمام المحاكم على أن يحظر على الخبير مباشرة أعمال الخبرة في الحالات الآتية:
- الدعاوى التي يكون له علاقة بها أو مصلحة، أو يكون فيها وكيلاً لأحد الخصوم، أو وصيًا عليه، أو وليًا، أو ناظر وقف، أو من في حكمهم، أو كان يعمل عند أحد الخصوم، أو كانت له مع أحدهم، مالم تكن هذه الخصومة قذ أقيمت بعد تعيين الخبير بقصد رده.
- الدعاوى التي يكون فيها أحد الخصوم قريبًا له أو صهرًا إلى الدرجة الرابعة.
- الدعاوى التي سبق أن أبدى فيها رأيًا.
ولا يترتب على الاستعانة بالخبير انتقال سلطة الفصل في النزاع إليه؛ فالخبير يقتصر دوره على إبداء الرأي الفني في حدود المهمة المكلف بها، بينما تظل للمحكمة سلطة تقدير نتائج الخبرة وما يرد في تقرير الخبير في ضوء بقية الأدلة والقرائن المعروضة عليها.
ومن ثم، فإن الخبرة الفنية في النظام السعودي تقوم على تحقيق التوازن بين الاستفادة من المعرفة الفنية المتخصصة وبين المحافظة على الاختصاص الأصيل للمحكمة في تقدير الأدلة والفصل في النزاع، بحيث تكون الخبرة أداة مساعدة للقاضي في معرفة الجوانب الفنية، لا وسيلة لنقل سلطة الحكم إلى الخبير.
المبحث الثاني: اختيار الخبير ومباشرته لمهمته.
يُعد اختيار الخبير من المسائل الأساسية في أعمال الخبرة؛ لما يترتب عليه من أثر في سلامة الإجراءات الفنية التي تُبنى عليها نتائج الخبرة، فالخبرة إنما يُلجأ إليها للاستعانة بمن لديه المعرفة الفنية أو التخصصية التي تعين المحكمة على فهم مسألة يتعذر عليها الوقوف على تفاصيلها الفنية بنفسها.
المطلب الأول: ضوابط الخبير وشروط اختياره
يقوم اختيار الخبير على أساس مدى ملاءمة خبرته وطبيعة تخصصه للمسألة محل البحث، إذ لا تتحقق الغاية من الخبرة بمجرد الاستعانة بشخص لديه معرفة عامة، وإنما يتعين أن تكون لديه القدرة الفنية أو العلمية التي تمكنه من دراسة المسألة وإبداء الرأي فيها على نحو موضوعي، ويظهر من طبيعة الخبرة أن الخبير لا يحل محل القاضي في الفصل في النزاع، وإنما يقتصر دوره على تقديم المعرفة الفنية التي يحتاج إليها القضاء، بحيث يبقى تقدير المسائل القانونية والفصل في الخصومة من اختصاص المحكمة.
كما يرتبط اختيار الخبير بمدى توافر الحياد والاستقلال في مباشرته لمهمته، إذ إن الرأي الفني لا يحقق الغاية المرجوة منه إذا تأثر بعلاقة الخبير بأحد أطراف النزاع أو بأي مصلحة قد تؤثر في موضوعيته، ولذلك تبرز أهمية التحقق من عدم وجود ما يؤثر في حياد الخبير قبل مباشرته للمهمة.
ويُراعى كذلك عند الاختيار أن يكون تخصص الخبير متناسبًا مع طبيعة المسألة المعروضة عليه، فقد تتطلب بعض المنازعات خبرة محاسبية، أو هندسية، أو طبية، أو تقنية، بحسب طبيعة الواقعة محل النزاع. وهذا يتفق مع الأساس الذي تقوم عليه الخبرة من الاستعانة بأهل المعرفة فيما يحتاج إلى إدراك فني لا يتوافر للقاضي بالضرورة.
وهذا ما نصت عليه المادة (110) من نظام الإثبات في فقرتها الثانية على أن:” يراعى في اختيار الخبير تناسب معارفه الفنية وخبراته مع موضوع النزاع”.
المطلب الثاني: نطاق مهمة الخبير وحدود اختصاصه
بعد اختيار الخبير وتحديد مهمته، تبرز أهمية بيان نطاق العمل المطلوب منه؛ حتى تكون مباشرته للخبرة منضبطة بالمسائل التي أحيلت إليه. ويُقصد بذلك تحديد الوقائع والمسائل الفنية التي يتعين عليه بحثها، والبيانات والمستندات التي يحتاج إلى الاطلاع عليها، والإجراءات الفنية اللازمة للوصول إلى النتيجة، ومن هذا المنطلق يقتصر دور الخبير في الحدود الآتية:
- يجب أن يظل الخبير في حدود المهمة المسندة إليه، فلا يتوسع في بحث مسائل خارجة عن نطاقها، ولا يتولى الفصل في المسائل القانونية التي تختص بها المحكمة، فالغاية من الخبرة هي تقديم الرأي الفني الذي يساعد المحكمة في تكوين قناعتها بشأن المسألة محل الخبرة، وليس إحلال الخبير محل المحكمة في ممارسة وظيفتها القضائية.
- أن تكون النتائج التي ينتهي إليها الخبير مرتبطة بالوقائع التي قام بفحصها والإجراءات التي باشرها، بحيث يستطيع القارئ لتقرير الخبرة الوقوف على الأساس الذي بُنيت عليه النتيجة. وكلما كان نطاق المهمة واضحًا ومحددًا، أمكن تقييم مدى التزام الخبير بها ومدى سلامة النتائج التي توصل إليها.
المطلب الثالث: التزامات الخبير وضمانات الحياد والاستقلال
تفرض طبيعة عمل الخبير مجموعة من الالتزامات التي تستهدف ضمان سلامة أعمال الخبرة وتحقيق الغرض منها. ويأتي في مقدمة هذه الالتزامات الالتزام بأداء المهمة المسندة إليه وفق حدودها، وفحص العناصر والوقائع ذات الصلة بها، وعدم بناء رأيه على معلومات أو افتراضات لا تستند إلى أساس فني معتبر، وفي هذا السياق نصت المادة (109) من الأدلة الإجرائية لنظام الإثبات على أن:” على الخبير أن يباشر مهمته بما في ذلك الآتي:
- أن يحدد موعدًا لبدء عمله لا يتجاوز خمسة أيام من تاريخ تبليغه بالتعيين، ويبلغ به الخصوم والإدارة المختصة.
- في الأحوال التي يقتضي فيها عمل الخبير الاجتماع بالخصوم، فعليه أن يبلغهم بموعد الاجتماع ومكانه، ويباشر أعماله ولو في غيبة الخصوم متى بلغوا على الوجه الصحيح.
- الالتزام بالمواعيد المحددة في النظام وقرارات المحكمة.
- المحافظة على سرية الأوراق والمعلومات التي يحصل عليها بسبب مهمته، والتقرير الصادر منه حتى بعد انتهاء مهمته، إلا في الأحوال المقررة نظامًا.
كما يلتزم الخبير بالحياد في مباشرته للمهمة، فلا ينحاز إلى أحد أطراف النزاع، ولا يجعل من تقريره وسيلة لإثبات وجهة نظر أحد الخصوم، وإنما يتعين أن يكون رأيه قائمًا على ما يظهر له من نتائج الفحص الفني.
ويُضاف إلى ذلك ضرورة المحافظة على استقلال الخبير، بحيث تكون النتيجة التي ينتهي إليها ناتجة عن فحصه وتقديره الفني دون تأثير من أطراف الخصومة، وتزداد أهمية هذه الضمانات بالنظر إلى أن الخبرة وسيلة فنية يستعين بها القضاء للوصول إلى الحقيقة في المسائل التي تحتاج إلى معرفة متخصصة، إلا إنه في نطاق هذا الفقرة لقد نصت المادة (120) من الأدلة الإجرائية الإثبات على أنه:” على الخبير أن يقوم شخصيًا بتنفيذ المهمة المكلف بها، وله الاستعانة بمن يعمل معه وتحت إشرافه ومسؤوليته”.
المبحث الثالث: تقرير الخبرة وحجيته أمام القضاء
يمثل تقرير الخبرة المخرج النهائي للعمل الفني الذي باشره الخبير، ومن خلاله تُعرض للمحكمة الأعمال والإجراءات التي قام بها والنتائج التي انتهى إليها، ومن ثم، فإن سلامة التقرير من حيث محتواه وطريقة إعداده ترتبط بمدى إمكانية الاستفادة منه في تكوين القناعة القضائية.
المطلب الأول: ضوابط إعداد تقرير الخبرة ومحتواه
ينبغي أن يتضمن تقرير الخبرة بيانًا واضحًا لموضوع المهمة المسندة إلى الخبير، والإجراءات التي قام بها، والمستندات والبيانات التي اعتمد عليها، وما انتهى إليه من نتائج. ويهدف ذلك إلى تمكين المحكمة وأطراف الخصومة من الوقوف على المسار الذي اتبعه الخبير في الوصول إلى رأيه.
ولا يكفي أن يورد الخبير نتيجة نهائية مجردة، وإنما ينبغي أن تكون النتيجة مرتبطة بالأسباب والمعطيات الفنية التي استند إليها، بحيث يمكن التحقق من سلامة الانتقال من الوقائع التي قام بفحصها إلى النتيجة التي انتهى إليها.
كما ينبغي أن يتسم التقرير بالوضوح والدقة، وأن تُعرض فيه المسائل الفنية محل البحث بصورة منظمة، مع التمييز بين الوقائع التي تم التحقق منها وبين الاستنتاجات الفنية التي توصل إليها الخبير، وتظهر أهمية هذه الضوابط في أن التقرير لا يُنظر إليه باعتباره مجرد نتيجة نهائية، وإنما باعتباره عملًا فنيًا متكاملًا يمكن للمحكمة وأطراف الدعوى مناقشة عناصره ومدى سلامة الأساس الذي قام عليه.
وعليه، لقد نص نظام الإثبات في المادة (117) على أن: يعد الخبير تقريرًا عن أعماله، ويجب أن يشمل ما يأتي:
- بيان المهمة المكلف بها وفقُا لقرار الندب.
- الأعمال التي أنجزها بالتفصيل، وأقوال الخصوم وغيرهم، وما قدموه من مستندات وأدلة، والتحليل الفني لها.
- أراء الخبراء الذي استعان بهم.
- نتيجة أعماله ورأيه الفني، والأوجه التي استند إليها بدقة ووضوح.
- إذا تعدد الخبراء فعليهم أن يعدوا تقريرًا واحدًا، وفي حال اختلاف آرائهم فعليهم أن يذكروا في التقرير رأي كل منهم وأسبابه.
المطلب الثاني: حجية تقرير الخبرة في تكوين القناعة القضائية
تتمثل أهمية تقرير الخبرة في كونه يقدم للمحكمة معرفة فنية تساعدها في فهم المسائل التي تحتاج إلى تخصص. فالخبرة، في أصلها، تقوم على الاستعانة بأهل الخبرة فيما لا يتوافر للقاضي من معرفة فنية متخصصة، وهو ما يفسر اعتماد الفقه الإسلامي على أهل الخبرة في عدد من المسائل الفنية، والطبية والصناعية وغيرها.
ولا يعني تقديم الخبير لرأيه الفني انتقال سلطة الفصل في النزاع إليه، إذ يظل التقرير وسيلة من وسائل الاستعانة الفنية التي تُعرض على المحكمة، وتبقى للمحكمة سلطة تقدير مدى الاستفادة منه في تكوين قناعتها.
ومن ثم، فإن حجية التقرير لا تعني بالضرورة الأخذ به في جميع ما ورد فيه، وإنما تتصل بمدى سلامة أعمال الخبير، ووضوح أسبابه، واتساق نتائجه مع العناصر التي قام بفحصها، ومدى اتصالها بالمسألة محل النزاع.
المطلب الثالث: مناقشة التقرير والاعتراض عليه وإعادة الخبرة
تُعد مناقشة تقرير الخبرة من الضمانات المهمة لأطراف الخصومة؛ إذ تتيح لهم بيان أوجه القصور أو الخطأ التي يرونها في أعمال الخبير أو نتائجه. وقد يتعلق الاعتراض بمنهجية الفحص، أو بالمستندات التي اعتمد عليها التقرير، أو بالنتيجة التي انتهى إليها، أو بمدى التزام الخبير بنطاق المهمة المحددة له.
ولا تقتصر أهمية مناقشة التقرير على إتاحة الفرصة للخصوم لإبداء ملاحظاتهم، وإنما تمكن المحكمة كذلك من الوقوف على مدى سلامة التقرير ومدى صلاحيته للاستناد إليه في تكوين قناعتها.
وقد تقتضي طبيعة النزاع استكمال بعض جوانب الخبرة أو إعادة بحث مسألة فنية معينة متى تبين وجود نقص مؤثر في التقرير، وذلك بحسب ما تراه المحكمة في ضوء ظروف الدعوى وما يظهر لها من أعمال الخبير ودفوع الأطراف.
حيث نصت المادة (120) من نظام الإثبات على أن: للمحكمة – من تلقاء نفسها، أو بناء على طلب أحد الخصوم، وفي أي مرحلة تكون عليها الدعوى – أن تتخذ الآتي:
١. الأمر باستدعاء الخبير في جلسة تحددها لمناقشته في تقريره شفاهًا أو كتابة، ولها أن توجه إليه ما تراه من الأسئلة.
٢. أمر الخبير باستكمال أوجه النقص في عمله وتدارك ما تبينته من أوجه القصور أو الخطأ فيه، كما أن لها أن تندب خبيراً أو أكثر لينضم إلى الخبير السابق ندبه.
٣. ندب خبير آخر أو أكثر لاستكمال أوجه النقص في عمل الخبير السابق وتدارك ما تبين فيه من أوجه القصور أو الخطأ أو إعادة بحث المهمة. ولمن تندبه المحكمة أن يستعين بمعلومات الخبير السابق.
المبحث الرابع: الرقابة على أعمال الخبرة وآثارها
لا تنتهي وظيفة المحكمة بمجرد ورود تقرير الخبير، وإنما يمتد دورها إلى فحص أعمال الخبرة وتقييم التقرير المعروض عليها، باعتبار أن الخبرة وسيلة مساعدة في العملية القضائية وليست بديلًا عن سلطة المحكمة في الفصل في النزاع.
المطلب الأول: سلطة المحكمة في تقدير أعمال الخبير وتقرير الخبرة
تقوم المحكمة بفحص تقرير الخبرة للتحقق من مدى ارتباطه بالمهمة المسندة إلى الخبير، ومدى استناده إلى وقائع ومستندات ذات صلة، ومدى وضوح الأسباب التي بُنيت عليها نتائجه.
كما يمكن أن يمتد تقدير المحكمة إلى عناصر التقرير المختلفة، بحيث تنظر في الأعمال الفنية التي باشرها الخبير، والنتائج التي توصل إليها، والأساس الذي أقام عليه رأيه، ويترتب على ذلك أن التقرير لا يُفصل عن باقي عناصر الدعوى، وإنما يُنظر إليه ضمن مجموع الأدلة والوقائع المعروضة أمام المحكمة، وبما يمكنها من تكوين قناعتها بشأن النزاع.
المطلب الثاني: واجبات الخبير وآثار الإخلال بها
ترتبط أعمال الخبرة بمجموعة من الواجبات التي تهدف إلى ضمان سلامة العمل الفني، ومن أبرزها الالتزام بالمهمة المحددة، والحياد، والاستقلال، والدقة، وبذل العناية اللازمة في فحص المسائل المحالة إليه.
ويترتب على الإخلال بهذه الواجبات اختلاف الأثر بحسب طبيعة الإخلال ومدى تأثيره في أعمال الخبرة ونتائجها. فقد يكون الإخلال متعلقًا بإجراء يمكن تداركه أو استكماله، وقد يكون مؤثرًا في جوهر التقرير بحيث يحد من إمكانية الاعتماد على نتائجه.
ومن ثم، ينبغي التمييز بين مجرد وجود ملاحظة على التقرير وبين وجود قصور جوهري يؤثر في قيمته الفنية؛ إذ لا يؤدي كل نقص أو ملاحظة بالضرورة إلى النتيجة ذاتها، وإنما يتحدد الأثر في ضوء طبيعة المخالفة ومدى اتصالها بنتيجة الخبرة.
المطلب الثالث: أثر بطلان إجراءات الخبرة أو قصورها في الحكم القضائي
يُعد بحث أثر العيوب التي تلحق بإجراءات الخبرة من المسائل المهمة؛ لأن العيب في إجراءات الخبرة قد ينعكس على التقرير الناتج عنها، وقد يمتد أثره إلى الحكم متى كان التقرير عنصرًا مؤثرًا في تكوين قناعة المحكمة.
ويقتضي ذلك التمييز بين بطلان إجراء من إجراءات الخبرة وبين مجرد عدم اقتناع المحكمة بالنتيجة التي انتهى إليها الخبير؛ فالأول يتعلق بسلامة الإجراء ذاته، في حين يرتبط الثاني بتقدير المحكمة للقيمة الفنية للتقرير.
كما ينبغي النظر إلى مدى تأثير العيب في النتيجة التي انتهى إليها الخبير، وما إذا كان من الممكن تداركه أو استكمال النقص دون الحاجة إلى إعادة الخبرة، أو كان الخلل من شأنه أن يفقد التقرير أساسه الفني.
وعليه، فإن أثر القصور أو البطلان لا يُبحث بمعزل عن ظروف الدعوى، وإنما من خلال مدى تأثيره في أعمال الخبرة وفي إمكانية اعتماد المحكمة على التقرير عند تكوين قناعتها القضائية، حيث نصت المادة (120) في فقرتها الثانية من نظام الإثبات على أنه:” لا يقيد رأي الخبير المحكمة، وإذا لم تأخذ به المحكمة كله أو بعضه، بينت أسباب ذلك في حكمها”.
الخاتمة
تناول هذا البحث التنظيم النظامي للخبرة الفنية في المنازعات القضائية في النظام السعودي، من خلال بيان مفهوم الخبرة الفنية وتمييزها عن بعض وسائل الإثبات الأخرى، وبيان الحالات التي تستوجب الاستعانة بها، والأساس النظامي للاستعانة بالخبراء وضوابطها، ثم بيان الأحكام المتعلقة باختيار الخبير ومباشرته لمهمته، وما يرتبط بذلك من التزامات وضمانات تكفل حياده واستقلاله. كما تناول البحث تقرير الخبرة من حيث ضوابط إعداده ومحتواه، ومدى أثره في تكوين القناعة القضائية، وآليات مناقشته والاعتراض عليه، إضافة إلى بيان سلطة المحكمة في الرقابة على أعمال الخبير وتقدير تقريره، والآثار المترتبة على القصور أو الإخلال في أعمال الخبرة.
ويتضح من خلال ما سبق أن الخبرة الفنية تمثل وسيلة مهمة في المنازعات التي تتضمن مسائل فنية أو علمية أو تخصصية، إذ تسهم في تمكين المحكمة من الإحاطة بالجوانب الفنية التي يتعذر عليها تقديرها بمجرد المعرفة القضائية المعتادة، مع بقاء سلطة الفصل في النزاع وتقدير الأدلة للمحكمة. كما يظهر أن التنظيم النظامي للخبرة لم يقتصر على بيان جواز الاستعانة بالخبير، وإنما امتد إلى تنظيم إجراءات اختياره ومباشرته لمهمته، وبيان التزاماته، وتنظيم تقرير الخبرة ومناقشته، ومنح المحكمة صلاحيات للتعامل مع ما قد يظهر فيه من نقص أو قصور.
وبناءً على ذلك، فإن سلامة أعمال الخبرة لا تتوقف على كفاءة الخبير فحسب، وإنما ترتبط كذلك بوضوح المهمة المسندة إليه، والتزامه بحدود اختصاصه، واستقلاله وحياده، وسلامة الإجراءات التي يباشرها، ووضوح التقرير الذي يقدمه، إلى جانب الرقابة القضائية على أعماله وتقدير مدى صلاحية التقرير للاستناد إليه في الفصل في الدعوى.
أولاً: النتائج
توصل البحث إلى عدد من النتائج، من أبرزها:
- أن الخبرة الفنية وسيلة فنية يستعين بها القضاء في المسائل التي تتطلب معرفة أو تخصصًا فنيًا أو علميًا لا تدخل في نطاق المعرفة القضائية المعتادة.
- أن محل الخبرة ينحصر في المسائل الفنية التي تحتاج إلى معرفة متخصصة، ولا تمتد مهمة الخبير إلى الفصل في المسائل القانونية أو ممارسة الاختصاص الأصيل للمحكمة.
- أن الحاجة إلى الخبرة ترتبط بطبيعة المسألة محل النزاع، بحيث تكون الاستعانة بالخبير ذات صلة بمسألة فنية أو تخصصية مؤثرة في الفصل في الدعوى.
- أن حياد الخبير واستقلاله من الضمانات الأساسية لسلامة أعمال الخبرة، ولذلك نظم التنظيم حالات تمنع الخبير من مباشرة أعمال الخبرة عند وجود مصلحة أو علاقة قد تؤثر في حياده.
- أن الخبير يلتزم بمباشرة المهمة المسندة إليه في حدود ما حددته المحكمة، ولا يجوز له تجاوز نطاق المهمة أو التوسع في إبداء الرأي في مسائل خارجة عن اختصاصه الفني.
- أن تقرير الخبرة يمثل الناتج النهائي لأعمال الخبير، ولذلك اشترط النظام أن يتضمن بيان المهمة والأعمال المنجزة وأقوال الخصوم والمستندات والأدلة والتحليل الفني والنتيجة والرأي الفني والأوجه التي استند إليها.
- أن تقرير الخبرة لا يقيد المحكمة، وإنما تستفيد منه في تكوين قناعتها القضائية، مع بقاء سلطة المحكمة في تقدير ما يرد فيه والأخذ به كله أو بعضه أو عدم الأخذ به وفقًا لما تقرره في الدعوى.
- أن مناقشة تقرير الخبرة تمثل ضمانة مهمة لأطراف الخصومة، إذ تتيح للمحكمة والخصوم الوقوف على ما قد يتضمنه التقرير من أوجه نقص أو قصور أو خطأ.
- أن للمحكمة صلاحيات متعددة في التعامل مع أوجه النقص أو القصور في تقرير الخبرة، من بينها مناقشة الخبير، أو أمره باستكمال أوجه النقص وتدارك القصور أو الخطأ، أو الاستعانة بخبير آخر بحسب ما تقتضيه ظروف الدعوى.
- أن سلامة تقرير الخبرة ترتبط بتكامل عناصره ووضوح أسبابه وارتباط نتائجه بالأعمال والفحوص التي باشرها الخبير، بما يمكن المحكمة من الوقوف على الأساس الفني الذي بني عليه الرأي.
ثانيًا: التوصيات
في ضوء ما انتهى إليه البحث من نتائج، يمكن تقديم التوصيات الآتية:
1. التأكيد على أهمية تحديد مهمة الخبير بصورة واضحة ودقيقة عند ندبه، بما يحدد نطاق المسائل الفنية المطلوب بحثها ويحد من احتمالية تجاوزه لاختصاصه.
2. تعزيز العناية عند اختيار الخبراء، بما يضمن تناسب تخصص الخبير وخبرته مع طبيعة المسألة الفنية محل النزاع.
4. العناية بإعداد تقارير الخبرة بصورة واضحة ومفصلة، بحيث تتضمن الأعمال والإجراءات التي باشرها الخبير والأسس الفنية التي اعتمد عليها والنتائج التي انتهى إليها.
6. التوسع في الاستفادة من آليات استكمال الخبرة أو إعادة بحث المهمة عند ظهور قصور مؤثر في التقرير، بما يسهم في اكتمال العناصر الفنية اللازمة لتكوين القناعة القضائية.
7. الاستزادة من الدراسات القانونية المتخصصة في أحكام الخبرة الفنية وتطبيقاتها القضائية، ولا سيما ما يتعلق بمدى تأثير القصور في أعمال الخبرة على سلامة التقرير والحكم القضائي.
8. الاهتمام بالدراسات التطبيقية التي تتناول الممارسة القضائية للخبرة الفنية في المجالات المختلفة، بما يسهم في بيان الإشكالات العملية التي قد تظهر عند تطبيق الأحكام المنظمة لها.
قائمة المراجع والمصادر
- نظام الإثبات، الصادر بمرسوم ملكي رقم م/ 43 وتاريخ26/5/1443هـ.
- الشهري، أنس. “الخبرة أهميتها ودورها في الإثبات في النظام السعودي والفقه الإسلامي: دراسة مقارنة”. (2023م). (35):670733.
- ادزبير. عبد العزيز. ” وسائل الإثبات في الفقه الإسلامي”. (2023م): 02:216-223.


أكتب تعليقا