نظرية الظروف الطارئة وتطبيقاتها في العقود الإلكترونية

3 أغسطس, 2026
عقود الشركات التجارية بطريقة قانونية

المقدمة

تُعد العقود من أهم الوسائل القانونية التي تنظم العلاقات بين الأفراد والهيئات، وذلك من خلال دورها في استقرار المعاملات، وقد استقر الفقه والقضاء على مبدأ: “العقد شريعة المتعاقدين” بوصفه مبدأ أساسي يحكم الالتزامات الناشئة عن العقد، بما يفرض على أطرافه الالتزام بما تم الاتفاق عليه دون تعديل أو نقض، غير أن هذا المبدأ، على الرغم من أهميته، ليس مطلقًا، إذ يرد عليه عدد من الاستثناءات التي تفرضها اعتبارات العدالة والإنصاف، وفي مقدمتها ضرورة الحفاظ على التوازن العقدي بين الأطراف.

حيث قد تطرأ في بعض الأحيان ظروف استثنائية غير متوقعة بعد إبرام العقد، تؤدي إلى اختلال التوازن الاقتصادي للعقد، بحيث يصبح تنفيذ الالتزام مرهقًا لأحد المتعاقدين، ويهدده بخسارة جسيمة لم تكن في الحسبان عند التعاقد، دون أن يصل الأمر إلى حد استحالة تنفيذهم للعقد، وفي مثل هذه الحالات، يبرز دور نظرية الظروف الطارئة كآلية قانونية تهدف إلى إعادة التوازن للعلاقة التعاقدية، من خلال تمكين القاضي من التدخل لتعديل الالتزام بما يحقق العدالة ويمنع وقوع الضرر الفادح.

وتستند هذه النظرية في جوهرها إلى اعتبارات العدالة والإنصاف، وإلى المبادئ العامة في الشريعة الإسلامية التي تقوم على رفع الحرج ودفع الضرر، وهو ما يجعلها متوافقة مع الأسس النظامية المعمول بها في المملكة العربية السعودية، كما اكتسبت هذه النظرية أهمية متزايدة في العصر الحديث، في ظل التغيرات الاقتصادية السريعة، والأزمات العالمية، والتطور التكنولوجي.

ومع ظهور العقود الإلكترونية كأحد أبرز مظاهر التحول الرقمي، والتي تتميز بالسرعة، والمرونة، والاعتماد على الوسائل التقنية في إبرامها وتنفيذها، ازدادت الحاجة إلى إعادة النظر في تطبيقات نظرية الظروف الطارئة، نظرًا لما قد تتعرض له من تحديات مفاجئة في البيئة الرقمية أو الاقتصادية، مما قد يؤثر على تنفيذ الالتزامات التعاقدية.

ومن هذا المنطلق، تهدف هذه الدراسة إلى تسليط الضوء على مفهوم نظرية الظروف الطارئة، وبيان شروط تطبيقها، وتمييزها عن غيرها من الأنظمة القانونية كالقوة القاهرة، مع استعراض أساسها النظامي في ظل النظام السعودي، تمهيدًا لتسليط الضوء على تطبيقاتها في مجال العقود الإلكترونية، ومدى كفاية القواعد الحالية لمواكبة هذا التطور.

المبحث الأول: ماهية نظرية الظروف الطارئة

المطلب الأول: تعريف نظرية الظروف الطارئة ونشأتها

تُعرف نظرية الظروف الطارئة بأنها: نظرية قانونية تقضي بأنه إذا طرأت بعد إبرام العقد ظروف استثنائية عامة لم يكن في الوسع توقعها، وجعلت تنفيذ الالتزام مرهقًا للمدين بحيث يهدده بخسارة فادحة، جاز للقاضي أن يتدخل لإعادة التوازن للعقد.

وقد نشأت هذه النظرية في الفقه الإداري، وتحديدًا في القضاء الفرنسي، ثم امتد تطبيقها إلى القانون المدني في العديد من الأنظمة الحديثة، وتُعد هذه النظرية استثناءً على مبدأ القوة الملزمة للعقد، إذ تسمح بتعديل الالتزامات التعاقدية تحقيقًا للعدالة.

وفي الفقه الإسلامي، نجد جذور هذه النظرية في قواعد مثل: قاعدة “لا ضرر ولا ضرار”، وقاعدة “المشقة تجلب التيسير”، وهو ما يعكس توافقها مع مبادئ الشريعة الإسلامية التي يقوم عليها النظام السعودي، ومن هذا المنطلق، تُعرف النظرية في الفقه الإسلامي بأنها : ” كل حادث عام لاحق على تكوين العقد, وغير متوقع الحصول عند التعاقد ينجم عنه اختلال بين المنافع المتولدة عن عقد يتراخى تنفيذه إلى أجل أو آجال, ويصبح تنفيذ المدين لالتزامه كما أوجبه العقد يرهقه إرهاقًا شديدًا ويهدده بخسارة فادحة تخرج عن الحد المألوف في خسائر التجار”. 

بالتالي فإنه تطبق هذه النظرية عندما تكون التزامات العقد غير متوازنة بسبب تغير الظروف التي قد طرأت بعد إبرام الطرفين للعقد ولم يكن توقعها من جانبهما، وعليه، يمكن للمتضرر من تنفيذ العقد أن يطلب من الطرف الاخر المتعاقد معه إعادة التفاوض على العقد، فإن اختلفا كانت النتيجة الطبيعية للعقد هو أن ينتهي أو إحالة المسألة للقضاء بشأن فسخه أو أن تقرر اللازم بشأنه.

المطلب الثاني: شروط تطبيق النظرية

على الرغم من أن النظرية تعد سببًا مشروعًا لطلب تعديل التزامه عند إرهاقه، إلا أن تطبيقها لا يكون إلا بتوافر مجموعة من الشروط، يمكن إجمالها فيما يلي:

  1.  أن يكون الظرف الطارئ عامًا:

يشترط أن يكون الظرف غير مألوف ونادر الحدوث، كالحروب أو الأزمات الاقتصادية أو الجوائح، وأن يكون عامًا يؤثر على فئة واسعة من الناس، لا حالة فردية خاصة بالمدين، هذا بشأن عمومية الظرف، ومن زاوية أخرى فإن الظروف الطارئة تتنوع وتختلف باختلاف الزمان والمكان فقد تكون طبيعية تحدث دون تدخل الإنسان ومثالها الفيضانات والزلازل والأعاصير، والبراكين، والمظاهرات، والحروب.

وما إلى ذلك من الأمثلة التي يترتب عليها توقف المرافق العامة والشركات والمعامل أو تغيير في التشريعات القانونية، ومن ذلك ما يلي:

  • زيادة الضرائب التي تجعل التنفيذ أكثر تكلفة. 
  • التغيرات السياسية كالحظر الدولي.
  • التغيرات التجارية، ومن ذلك اضراب العمال عن العمل الأمر الذي يوقف صناعة الشيء محل التنفيذ.
  1. أن يكون الظرف الطارئ استثنائيًا: الاستثنائية هي أن يكون الحادث متعارض مع السير الاعتيادي لما يألفه الناس وبعيد عن طبيعة الأمور فهو قليل الوقوع أي نادر. 
  2. أن يكون الظرف فجائيًا غير متوقع: يجب أن يكون الظرف الطارئ غير متوقع وقت إبرام العقد، بحيث لا يمكن للشخص العادي توقع حدوثه، وإلا كان المدين قد تحمّل تبعة هذا الخطر، بالتالي متى كان الحدث لا يتوقع بين طرفي العقد عند إبرام عقدهما سمي هذا الظرف بالظرف الطارئ ومن ثم تطبق عليهما أحكام هذه النظرية. 

وأما المعيار المتبع في تحديد الظروف الطارئة فهناك اتجاهان، نوردهما على النحو الآتي:

  • المعيار الشخصي: أي أن يتم النظر إلى شخص المدين وحالته الصحية والعقلية وثقافته ومكانته الاجتماعية لتقرير إمكانية توقعه للحدث من عدمه.
  • المعيار الموضوعي: وهو المعيار الذي يميل له الفقه والقضاء، وينصرف عدم التوقع وفقًا لهذا المعيار إلى سلوك الرجل المعتاد في الظروف نفسها بالمحيطة بالتعاقد وقت إبرامهم للتعاقد، ويرى أصحاب هذا الاتجاه بأن سلوك الرجل المعتاد هو ذلك الشخص الذي لا يوصف بأنه شديد النباهة والحرص ولا هو المهمل البليد. 
  1.  أن يجعل تنفيذ الالتزام مرهقًا لا مستحيلًا:

وهذا هو الفارق الجوهري بين هذه النظرية والقوة القاهرة، حيث يبقى التنفيذ ممكنًا لكنه يسبب خسارة فادحة للمدين، تتجاوز الحد المعتاد في التعاملات، أي أن مستوى الزيادة والنقص والربح أو الخسارة فاق التعامل العادي ووصل إلى حد لا يمكن للمتعاقد أن يتحمل الخسارة الفادحة التي ألمت به إذ أنها فاقت الخسارة المعقولة في التعاملات التجارية من الأمور الطبيعية في التعاقدات.

وفي هذا الصدد، لا بد أن يكون أن يكون الظرف خارجًا عن إرادة المدين تمامًا، وألا يكون قد ساهم فيه بخطئه أو إهماله.

المطلب الثالث: تمييزها عن القوة القاهرة

رغم التشابه بين نظرية الظروف الطارئة والقوة القاهرة، إلا أن هناك فروقًا جوهرية بينهما، نوردها على النحو الآتي:

الظروف الطارئةالقوة القاهرة
من حيث الأثر
يصبح تنفيذ الالتزام مستحيلًا، مما يؤدي إلى انقضاء الالتزام.يظل التنفيذ ممكنًا لكنه مرهق، مما يجيز تعديل الالتزام.
من حيث تدخل القضاء
لا مجال للتعديل أو التفاوض بين الطرفين، بل يُقضى بانفساخ العقد أو سقوط الالتزام.يتدخل القاضي لإعادة التوازن بين التزامات الطرفين.
من حيث نطاق التطبيق
–           – القوة القاهرة تُطبق بشكل أوسع.     – الظروف الطارئة تُطبق بشروط أكثر دقة.

وبذلك، فإن نظرية الظروف الطارئة تُعد وسيلة وسطى بين الالتزام المطلق بالعقد وبين إنهائه.

المطلب الرابع: الأساس النظامي للنظرية

يستند تطبيق نظرية الظروف الطارئة في النظام السعودي إلى منظومة متكاملة تجمع بين القواعد الكلية في الشريعة الإسلامية، والنصوص النظامية الحديثة، والتطبيقات القضائية، وذلك على النحو الآتي:

وتستمد النظرية جذورها من الشريعة الإسلامية القائمة على العدالة، ورفع الحرج، ودفع المشقة غير المعتادة عن المتعاقدين، وتستند إلى عدد من القواعد الفقهية الكلية، ومنها:

 1.  “لا ضرر ولا ضرار”: أصل في نهي الإضرار بأحد طرفي العقد نتيجة تحول التزامه إلى مرهق.

 2. “الضرر يزال”: توجب تدخل القاضي لرفع المشقة غير المعتادة التي لحقت بالمدين.

 3.  “المشقة تجلب التيسير”: تتيح تعديل الالتزام لإعادة التوازن وتخفيف العبء.

ونص نظام المعاملات المدنية السعودي، هذا المبدأ بشكل صريح، حيث نصت المادة (97) في فقرتها الأولى على أنه: “إذا طرأت ظروف استثنائية عامة لم يكن في الوسع توقعها وقت التعاقد وترتب على حدوثها أن يصير تنفيذ الالتزام التعاقدي مرهقاً للمدين بحيث يهدده بخسارة فادحة؛ فله -دون تأخر غير مسوغ- دعوة الطرف الآخر للتفاوض، فإن لم يصل الطرفان إلى اتفاق خلال مدة معقولة فللمحكمة تبعاً للظروف وبعد الموازنة بين مصلحة الطرفين أن تنقص الالتزام المرهق إلى الحد المعقول…”.

وبذلك أقر المنظم السعودي مبدأ إعادة التوازن العقدي كاستثناء على قاعدة “العقد شريعة المتعاقدين”.

ويمارس القضاء دوراً جوهرياً في شرح النظرية من خلال استخدام سلطته التقديرية؛ إذ ينظر إلى الأمور الآتية:

 1.  التحقق من توافر شروط الظرف الطارئ والتي سبق أن تعرفنا عليها وهي كالآتي: (أن يكون عاماً، وغير متوقع، ويجعل التنفيذ مرهقاً يهدد بخسارة فادحة).

 2.  الموازنة بين مصلحة الطرفين وإعادة الالتزام المرهق إلى الحد المعقول بما يحقق العدالة بين الأطراف.

المبحث الثاني: الإطار القانوني للعقود الإلكترونية

المطلب الأول: مفهوم العقود الإلكترونية وخصائصها

انطلاقًا من الحاجة العملية للعقود الإلكترونية في ظل توسع التجارة الإلكترونية وانتشار الخدمات الرقمية، وعليه أدى هذا التطور إلى تغيير جوهري في طرق انعقاد العقود، حيث أصبح بإمكان الأطراف التعاقد دون تواجدهم المادي أو الفعلي في مجلس عقد واحد، وذلك باستخدام الوسائط الإلكترونية كالإنترنت، البريد الإلكتروني، التطبيقات الذكية، وبذلك لم يعد التعاقد محصورًا ضمن الأطر التقليدية التي تعتمد على الحضور الفعلي والتوقيع اليدوية, وإنما بات يتم في بيئة افتراضية رقمية تتطلب ضبطًا قانونيًا خاصًا يتلاءم مع طبيعتها القانونية. 

بالتالي تعرف العقود الإلكترونية بالفقه بأنها:” اتفاق إرادتين أو أكثر، يتم عن بعد، عبر وسائط إلكترونية، بهدف إنشاء التزامات قانونية”. بينما عرفه الفقه الفرنسي بأنه:” اتفاق يتم عبر شبكة اتصال دولية مرئية أو مسموعة، يتيح التفاعل بين الموجب والقابل”، وقيل في الفقه الأمريكي بأنها:” عملية تبادل رسائل إلكترونية تعد عبر نماذج رقمية مسبقة، تتضمن عناصر العقد بين البائع والمشتري”. 

وعليه، نستنتج بأن العقد الإلكتروني هو ذلك العقد الذي يتم بين طرفين أو أكثر بواسطة وسيلة إلكترونية بقصد إحداث أثر قانوني، ونص المنظم السعودي على تعريف التعاملات الإلكترونية في نظام التعاملات الإلكترونية بالمادة (1) بأنها:” أي تبادل، أو تراسل، أو تعاقد، أو أي إجراء أخر يبرم أو ينفذ -بشكل كلي أو جزئي- بوسيلة إلكترونية. 

وفي السياق ذاته، نصت المادة (10/1) من نظام التعاملات الإلكترونية بأن:” يجوز التعبير عن الإيجاب والقبول في العقود بواسطة التعامل الإلكتروني، ويعد العقد صحيحًا، وقابلاً للتنفيذ متى تم وفقًا لأحكام هذا النظام”، التي تنص بشكل صريح على مشروعية وصحة العقود الإلكترونية، فمتى تم التعبير عن الإرادة بواسطة وسائل إلكترونية فإنه الأثر ذاته الذي ينتج عن العقود التي تتم بالوسائل التقليدية. 

وبناءً على ما سبق، نتطرق لخصائص العقد الإلكتروني الذي تميزه عن غيره من العقود التقليدية، والتي نوردها على النحو الآتي: 

  1. عقد يبرم عن بعد وبمجلس إلكتروني: يعد العقد الإلكتروني من العقود التي تبرم عن بعد، نظرًا لاعتماده على شبكة الإنترنت كوسيلة رئيسية للتعاقد، فهو لا يتطلب وجودًا ماديًا للأطراف المتعاقدة في مكان واحد أو زمان واحد، حيث قد يكون كلا الطرفين في منطقتين جغرافية مختلفة، ومن ثم يكون مجلس العقد في العقود الإلكترونية بيئة افتراضية بشكل تام, وتعد هذه الوسائل أو المنصات الإلكترونية بمثابة وسيط إلكتروني الذي يعد حلقة وصل التي تنقل الإرادة والتعبير عنها بين الأطراف في لحظات متقاربة رغم البعد الجغرافي.
  2.  عقد تجاري: يغلب على العقود الإلكترونية الطابع التجاري، لأن معظمها يتعلق ببيع السلع أو تقديم الخدمات بمقابل مالي محدد، وغالبًا ما يكون مقدم السلعة أو الخدمة تاجرًا يتمتع بالصفة التجارية، كما أن التاجر عادة هو الذي ينظم طريقة إبرام العقد من خلال الوسائل الإلكترونية.
  3.  عقد دولي: تتسم العقود الإلكترونية في معظم الحالات بالطابع الدولي، نظرًا لأن شبكة الإنترنت تربط مختلف الدول العالم ببيئة الكترونية موحدة، وبذلك فإن العلاقة القانونية الناشئة عن هذه المعاملات تتجاوز الحدود الجغرافية والسياسية للدول.

المطلب الثاني: شروط صحة العقد الإلكتروني

يشترط بالعقد الإلكتروني كسائر العقود التقليدية الأخرى توافر الأركان العامة في العقود، ونوردها على النحو الآتي: 

1. التراضي: إيجاب وقبول متطابقان.

2. المحل: ويشمل (المبيع) ويجب أن يكون موجوداً ومعيناً تعيينًا نافي للجهالة، و(الثمن) ويجب أن يكون معلوماً.

3. السبب: الغاية من التعاقد، ويجب أن تكون مشروعة.

ومن ناحية اخرى يشترط في العقود الآتي: 

– الأهلية المعتبرة شرعًا ونظامًا للمتعاقدين.

– خلو الإرادة من العيوب كعيب الإكراه ويقصد به استخدام وسيلة مادية أو معنوية بقصد الضغط على الشخص مما يولد في نفسه رهبة وخوف تجبره على التعاقد، أو كعيب الغلط وهو وهم الذي يقوم في نفس المتعاقد يجعله يتصور الأمر على غير حقيقته.

–  أن يكون المبيع مما يجوز التعامل به نظاماً، ونعني بذلك أن يكون مشروعًا ولا يخالف المبادئ والأنظمة واللوائح المعمول بها.

المطلب الثالث: حجية الإثبات في العقود الإلكترونية

لا يخفى أن المبدأ العام في الإثبات في المعاملات التجارية يقوم على حرية الإثبات، حيث يجوز إثبات التصرفات التجارية بمختلف طرق الإثبات دون التقيد بوسيلة محددة، وهو ما ينطبق على العقود الإلكترونية بوصفها إحدى صور هذه المعاملات، وتتعدد وسائل إثبات العقد الإلكتروني، إلا أن أبرزها يتمثل في السجل الإلكتروني والتوقيع الإلكتروني، لما لهما من دور أساسي في توثيق التعاملات الرقمية وإضفاء الحجية القانونية عليها.

ويُقصد بالسجل الإلكتروني – وفقًا لما نصت عليه المادة (1) من نظام التعاملات الإلكترونية السعودي– بأنه:

“البيانات التي تنشأ أو تُرسل أو تُستلم أو تُبث أو تُحفظ بوسيلة إلكترونية، وتكون قابلة للاسترجاع أو الحصول عليها بشكل يمكن فهمه”. 

ويكتسب السجل الإلكتروني قيمة إثباتية معتبرة، متى كان محفوظًا بطريقة تضمن سلامته وإمكانية الرجوع إليه، مما يجعله وسيلة معترفًا بها في الإثبات أمام الجهات القضائية.

أما التوقيع الإلكتروني، فيُقصد به البيانات الإلكترونية التي تُدرج في تعامل إلكتروني، أو تُضاف إليه، أو ترتبط به منطقيًا، وتُستخدم لإثبات هوية الموقّع، والتعبير عن موافقته على مضمون التصرف، فضلًا عن تمكينه من كشف أي تعديل يطرأ على هذا التعامل بعد توقيعه.

وقد منح النظام السعودي التوقيع الإلكتروني حجية قانونية تعادل التوقيع الخطي، حيث نصت المادة (14/1) من نظام التعاملات الإلكترونية على أنه: “إذا اشترط وجود توقيع خطي على مستند أو عقد أو نحوه، فإن التوقيع الإلكتروني الذي يتم وفقًا لهذا النظام يُعد مستوفيًا لهذا الشرط، ويُعد بمثابة التوقيع الخطي وله الآثار النظامية نفسها”.

وعليه، يتضح أن المنظم السعودي قد أقر بحجية وسائل الإثبات الإلكترونية، ومنحها قوة قانونية معتبرة، بما يعزز الثقة في التعاملات الإلكترونية ويواكب التطور التقني في إبرام العقود.

المطلب الرابع: التنظيم القانوني للعقود الإلكترونية

يستمد العقد الإلكتروني في المملكة مشروعيته وقوته من مصادر رئيسية مثل:

– نظام المعاملات المدنية: (الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/191 وتاريخ 1444هـ)، وهو المرجع الشامل الذي يقنن القواعد العامة للعقود والالتزامات، وقد أفرد باباً خاصاً لعقد البيع.

– أصول الشريعة الإسلامية: والتي تُعد المرجع الأساسي فيما لم يرد فيه نص نظامي خاص، مع التركيز على مبادئ العدالة وعدم الغرر.

2. الأنظمة واللوائح ذات الصلة:

نظرُا إلى أن السياق يتعلق بعمليات تتم بشكل “إلكتروني”، فإن الأنظمة التالية هي المحركة للنزاعات:

–  نظام التجارة الإلكترونية: ينظم حقوق المستهلك، والتزامات المتجر الإلكتروني، وحالات فسخ العقد.

 نظام التعاملات الإلكترونية: يمنح التوقيع الإلكتروني والسجلات الإلكترونية الحجية القانونية الكاملة.

–  نظام حماية المستهلك: القواعد التي تضمن جودة السلعة ومطابقتها للمواصفات.

–  نظام المحاكم التجارية: يحدد اختصاص المحاكم في النزاعات التي تنشأ بين التجار أو بين تاجر ومستهلك.

المبحث الثالث: تطبيق نظرية الظروف الطارئة على العقود الإلكترونية

المطلب الأول: مدى انطباق النظرية على العقود الإلكترونية

يُعد مبدأ “العقد شريعة المتعاقدين” حجر الأساس في تنظيم العلاقات التعاقدية، سواء كانت تقليدية أو إلكترونية، إذ يقوم العقد في كلا الحالتين على توافق الإرادتين وما ينشأ عنه من التزامات متبادلة، ومع التطور التقني وظهور العقود الإلكترونية، لم يتغير هذا المبدأ من حيث الجوهر، بل ظل قائمًا مع اختلاف وسيلة التعبير عن الإرادة.

وبناءً عليه، فإن نظرية الظروف الطارئة لا تقتصر على العقود التقليدية، بل تمتد لتشمل العقود الإلكترونية متى توافرت شروطها، وذلك لعدم وجود ما يمنع من تطبيق القواعد العامة على هذا النوع من العقود، فالعقد الإلكتروني لا يخرج عن كونه اتفاقًا ملزمًا يرتب آثارًا قانونية، حتى وإن تم إبرامه بوسائل رقمية.

غير أن خصوصية العقود الإلكترونية تفرض بعض الاعتبارات، من أبرزها سرعة إبرامها، واتساع نطاقها الجغرافي، واعتمادها على بيئات تقنية قد تتأثر بظروف خارجة عن الإرادة، مثل الأعطال التقنية أو القيود التنظيمية المفاجئة أو الأزمات العالمية. وهذه العوامل قد تجعل احتمال تحقق الظروف الطارئة وارد بشكل كبير مقارنة بالعقود التقليدية، مما يعزز من أهمية تطبيق النظرية لتحقيق العدالة التعاقدية.

المطلب الثاني: أثر الظروف الطارئة على تنفيذ العقد الإلكتروني

متى توافرت الظروف الطارئة وتحققت شروطها، وكان الواقع لم يصل الأمر إلى استحالة التنفيذ، بل أصبح مرهقًا للمدين بما يهدده بخسارة فادحة تتجاوز الحدود المألوفة في التعامل، وفي العقود الإلكترونية، قد يظهر هذا الأثر بصورة أوضح، نظرًا لاعتمادها على وسائل رقمية أو خدمات إلكترونية عابرة للحدود، مما يجعلها أكثر تأثرًا بالظروف الاستثنائية، مثل تعطل الأنظمة، أو القيود على المدفوعات الإلكترونية، أو إغلاق الحدود الذي يؤثر على تسليم المنتجات المرتبطة بالعقود الرقمية.

وفي هذه الحالة، لا يُفسخ العقد تلقائيًا، بل يظل قائمًا، ويُمنح القاضي سلطة التدخل لتعديل الالتزام بما يخفف من إرهاق المدين، كأن يُنقص مقدار الالتزام، أو يؤجل تنفيذه، أو يوزع الخسارة بين الطرفين بما يحقق التوازن العقدي.

المطلب الثالث: سلطة القاضي في تعديل الالتزامات

تمثل سلطة القاضي في تطبيق نظرية الظروف الطارئة استثناءً على مبدأ سلطان الإرادة، إذ يُمنح القاضي دورًا إيجابيًا في إعادة التوازن للعقد. وتتمثل هذه السلطة في تقدير مدى توافر شروط النظرية، ومدى جسامة الإرهاق الذي أصاب المدين، ومن ثم اتخاذ القرار المناسب لمعالجة هذا الاختلال.

ويخضع القاضي في ذلك لعدة ضوابط، من أهمها:

1.  التحقق من أن يكون الالتزام ناشئًا عن عقد صحيح وملزم.

2. التحقق من أن يكون الظرف الطارئ عامًا واستثنائيًا وغير متوقع عند التعاقد.

3. التحقق من ألا يكون المدين قد أسهم في وقوع الإرهاق بخطئه أو تقصيره.

4. التحقق من أن يكون الإرهاق بالغًا حدًا يهدد المدين بخسارة فادحة، لا مجرد خسارة عادية تدخل في نطاق المخاطر المألوفة.

وفي ضوء ما سبق، يملك القاضي سلطة تعديل الالتزام دون إلغائه، تحقيقًا للعدالة، كأن يُنقص الالتزام إلى الحد المعقول، أو يمد في أجله، أو يوقف تنفيذه مؤقتًا، بحسب ما تقتضيه ظروف كل دعوى ووقائعها.

المطلب الرابع: أمثلة تطبيقية على العقود الإلكترونية

تُعدّ الأوبئة والأزمات العامة من أبرز التطبيقات العملية لنظرية الظروف الطارئة في نطاق العقود، بما في ذلك العقود الإلكترونية. وقد عُرفت في الفقه الإسلامي بأنها: الآفات السماوية التي لا يمكن معها تضمين أحد، بينما يُقصد بها نظامًا كل حادث استثنائي عام غير متوقع ولا يمكن دفعه، ويترتب عليه اختلال جسيم في التوازن العقدي.

وبتطبيق ذلك على جائحة كورونا (COVID-19)، نجد أنها تمثل نموذجًا واضحًا للظرف الطارئ، حيث اجتاحت نطاقًا عالميًا واسعًا، واستحال توقعها أو دفع آثارها، مما انعكس بشكل مباشر على تنفيذ العقود، لا سيما العقود الإلكترونية التي أُبرمت قبل حدوثها. وقد أدت الإجراءات الاحترازية – مثل حظر التجول وإغلاق الحدود – إلى اضطراب تنفيذ الالتزامات التعاقدية.

وقد تمثل أثر ذلك في عدة صور، من أبرزها:

1. العقود المبرمة عبر المتاجر الإلكترونية لتوريد السلع: حيث أدى إغلاق الحدود إلى تأخر التسليم وارتفاع تكاليف الشحن.

2. عقود الخدمات الرقمية: التي تعتمد على خوادم خارجية، والتي تأثرت بالقيود التنظيمية والأعطال المفاجئة.

3. عقود التوصيل والخدمات اللوجستية: التي تعذر تنفيذها في المواعيد المحددة بسبب القيود الصحية.

وفي مثل هذه الحالات، يجوز تطبيق نظرية الظروف الطارئة متى توافرت شروطها، بحيث يتدخل القاضي لإعادة التوازن العقدي، وذلك استنادًا إلى المادة (97) من نظام المعاملات المدنية السعودي التي تقرر أنه:

” إذا طرأت حوادث استثنائية عامة لم يكن في الوسع توقعها، وترتب على حدوثها أن تنفيذ الالتزام التعاقدي أصبح مرهقًا للمدين، جاز للقاضي أن يرد الالتزام إلى الحد المعقول”. 

كما تتخذ سلطة القاضي في التعديل عدة صور، منها:

1. تعديل الالتزامات التعاقدية.

2.  إنقاص الالتزام المرهق.

3. وقف التنفيذ مؤقتًا.

وفي سياق النظام السعودي، فقد عالج نظام المنافسات والمشتريات الحكومية أثر هذه النظرية على العقود الإدارية، وذلك بنصه في المادة (74) على عدة حالات نوردها على النحو الآتي: على جواز تمديد مدة العقد والإعفاء من الغرامات في حالات معينة، مثل:

    1. تكليف المتعاقد بأعمال إضافية.

    2. تأخر الاعتمادات المالية.

    3. إذا كان التأخير بسبب الجهة الحكومية.

    4. وقوع ظروف طارئة.

    5. صدور أمر بإيقاف الأعمال لأسباب لا تعود للمتعاقد.

كما نصت المادة (46) من اللائحة التنفيذية لنظام المنافسات والمشتريات الحكومية على ضوابط التعامل مع الحالات الطارئة، ومن أبرزها: 

1. وجود خطر أو تهديد جسيم للصحة العامة أو السلامة أو الأمن.

2. تعذر اتباع إجراءات المنافسة العادية بسبب عامل الزمن.

3. عدم شمول الاتفاقيات الإطارية للأعمال المطلوبة.

4. الحصول على موافقة صاحب الصلاحية.

5. توثيق الإجراءات وتزويد الجهات الرقابية بها.

المبحث الرابع: التطبيقات العملية والتحديات القانونية لنظرية الظروف الطارئة في العقود الإلكترونية

المطلب الأول: تطبيقات النظرية في العقود الإلكترونية

تُطبق نظرية الظروف الطارئة في العقود الإلكترونية متى طرأ بعد إبرام العقد ظرف استثنائي عام، غير متوقع، يجعل تنفيذ الالتزام مرهقًا للمدين دون أن يصل إلى حد الاستحالة والتي يعد توافرها من الأمور الأساسية لتطبيق هذه النظرية من عدمها، ويبرز ذلك في العقود المبرمة عبر المنصات الرقمية، مثل عقود الخدمات الإلكترونية أو التجارة عبر الإنترنت، حيث قد تتغير الظروف التقنية أو الاقتصادية بشكل مفاجئ مما يؤثر على تنفيذ التزامات كل طرف ويجعله مرهقًا عليه. 

ومن أمثلة ذلك: الارتفاع المفاجئ في تكاليف التشغيل، أو تعطل الأنظمة بشكل عام نتيجة ضغط غير متوقع، مما يؤدي إلى إرهاق أحد أطراف العقد، ويأخذ العقد إلى منحنى آخر متمثلاً في التزام إعادة التوازن بين الأطراف من كونه أصبح مرهقًا بشكل مجحف ويترتب على تنفيذه خسارة فادحة، فنرى أن الحوادث والأخطاء التي تحدث في البيئات والمنصات الرقمية تطبق عليها هذه النظرية أكثر مما تطبق على غيرها كون ما يعتريها دومًا ما تكون مفاجئة وغير متوقع حدوثها.

المطلب الثاني: الأعطال التقنية والهجمات السيبرانية كظروف طارئة

تُعد الأعطال التقنية والهجمات السيبرانية من أبرز التحديات التي تواجه العقود الإلكترونية، وقد ترقى في بعض الحالات إلى اعتبارها ظروفًا طارئة، إذا توافرت فيها الشروط النظامية، من حيث العمومية وعدم التوقع وخروجها عن إرادة الأطراف.

فالهجمات السيبرانية، مثل تعطيل المنصات أو اختراق الأنظمة، قد تؤدي إلى توقف تنفيذ الالتزامات التعاقدية مؤقتًا أو زيادة تكلفتها بشكل كبير، وكذلك الأعطال التقنية المفاجئة، كتعطل الخوادم أو الأنظمة الإلكترونية، خاصة إذا كانت عامة أو واسعة النطاق.

ومع ذلك، لا يُعتد بهذه الظروف كظرف طارئ إلا إذا ثبت أنها خارجة عن سيطرة الطرف المدين، ولم يكن بالإمكان توقعها أو دفعها بوسائل معتادة.

وفي هذا السياق، تُعد مسألة الإثبات من أبرز التحديات في تطبيق نظرية الظروف الطارئة في العقود الإلكترونية، نظرًا لطبيعة البيئة الرقمية وسرعة زوال الأدلة فيها، ويظهر ذلك جليًا في حالات تعطل منصات التجارة الإلكترونية، مما قد يصعب على الطرف المتضرر إثبات حدوث الخلل في الوقت المناسب، ومع ذلك، يمكن اللجوء إلى وسائل إثبات، مثل تصوير الشاشة، أو الاحتفاظ بسجلات النظام، أو الإشعارات التقنية الصادرة من المنصة.

المطلب الثالث: أثر الشروط التعاقدية على تطبيق النظرية

للشروط التعاقدية دورًا محوريًا في تحديد مدى إمكانية تطبيق نظرية الظروف الطارئة، خاصة في العقود الإلكترونية التي غالبًا ما تتضمن شروطًا مسبقة تتعلق بتوزيع المخاطر أو الإعفاء من المسؤولية.

فقد ينص العقد على تحميل أحد الأطراف مخاطر الأعطال التقنية أو الهجمات السيبرانية، أو يضع آليات محددة للتعامل مع الظروف الطارئة، كإعادة التفاوض أو تعليق التنفيذ مؤقتًا. وفي هذه الحالة، قد يحد ذلك من إمكانية التمسك بالنظرية، استنادًا إلى مبدأ: “العقد شريعة المتعاقدين”.

إلا أن هذه الشروط ليست مطلقة، بل تخضع لرقابة القضاء، الذي يملك سلطة التدخل لإعادة التوازن في الالتزامات التعاقدية إذا تبين أن تطبيق الشرط يؤدي إلى إرهاق جسيم لأحد الأطراف، حيث قد يتدخل القاضي لتعديل الالتزام أو الحد من أثر الشرط التعسفي مقارنة بموقع الطرف في العقد، وعليه، فإن العلاقة بين الشروط التعاقدية ونظرية الظروف الطارئة تقوم على التوازن بين احترام إرادة المتعاقدين من جهة، وتحقيق العدالة ومنع الإرهاق المفاجئ من جهة أخرى، وهو ما يعكس دور القضاء في ضبط هذه العلاقة.

وتمر هذه المرحلة القضائية بعدة إجراءات نظامية هامة، بدءًا من تحديد الاختصاص القضائي المختص بالنظر في النزاع الواقع، ومن ثم تحديد تصنيف الدعوى التفصيلي مع إرفاق أهم المستندات التي تدل على ثبوت الواقعة وتقود إلى إثبات الحق، فإن كانت تجارية أرفق المدعي العقد وأهم الوقائع بشكل تفصيلي وواضح للمحكمة التجارية، وإن كانت العقود عقودًا عامة ومن بينها العقارية وعقود البيع وعقود المقاولة وغيرها اختص بنظرها المحاكم العامة، وهذا بحسب اختصاص كل محكمة نظاميًا بالنظر في الوقائع ونوعها. 

فعلى صاحب الحق أن يحتفظ بكل ما من شأنه أن يقوده لحقه ويتمسك فيه امام القضاء المختص، إذ لا بد من الحق أن يظهر من أدنى أمر، فإن واجه البائع صعوبة في توريد البضائع الملتزم بتوفيرها للمشتري بسبب ظرف طارئ كالحروب المفاجئة وكان من شأنها إعاقة حركة الشحن والتسليم لمدة طالت أو من الممكن أن تطول الأمر الذي بدوره يعد مرهقًا للبائع إرهاقًا صريحًا، فإما أن يتفق طرفي العقد على أيقاف تنفيذ العقد أو إعادة النظر في الالتزام ومن ثم تخفيفه وإن اختلفا كان القضاء خير خليفا.

الخاتمة

في ظل التحول الرقمي المتسارع في المملكة العربية السعودي ، وما صاحبه من توسع كبير في استخدام العقود الإلكترونية في مختلف المجالات، برزت الحاجة إلى إعادة النظر في العديد من النظريات القانونية التقليدية، ومن أبرزها نظرية الظروف الطارئة، وذلك لبيان مدى قابليتها للتطبيق في بيئة رقمية تتسم بالتغير المستمر وسرعة التطور، فالعقود الإلكترونية، وإن كانت لا تختلف في طبيعتها القانونية عن العقود التقليدية، إلا أنها تنفرد بخصائص تجعلها أكثر عرضة للتقلبات المفاجئة، سواء من الناحية التقنية أو الاقتصادية أو حتى الأمنية.

وفي ختام هذا البحث، الذي تناول نظرية الظروف الطارئة من منظور حديث، يواكب طبيعة التعاملات الإلكترونية، من خلال استعراض مفهوم النظرية وشروطها وأساسها النظامي، ثم بيان تطبيقاتها العملية في العقود الإلكترونية، مع تسليط الضوء على أبرز التحديات التي تواجهها، مثل الأعطال التقنية والهجمات السيبرانية وصعوبة الإثبات في البيئة الرقمية، إضافة إلى أثر الشروط التعاقدية في الحد من تطبيقها أو توسيع نطاقها.

أولًا: النتائج

1. تُعد نظرية الظروف الطارئة استثناءً مهمًا على مبدأ: “العقد شريعة المتعاقدين”، إذ تهدف إلى تحقيق العدالة العقدية وإعادة التوازن بين أطراف العقد عندما تطرأ عليه ظروف استثنائية.

2. أقر النظام السعودي هذه النظرية صراحةً في نظام المعاملات المدنية، ومنح القضاء سلطة تقديرية واسعة في تعديل الالتزامات بما يحقق التوازن بين مصالح الأطراف.

3. لا تختلف العقود الإلكترونية في جوهرها عن العقود التقليدية، مما يجعلها خاضعة للقواعد العامة، بما في ذلك نظرية الظروف الطارئة، متى توافرت شروط تطبيقها.

4. تتسم البيئة الرقمية بخصوصية تجعلها أكثر عرضة لوقوع الظروف الطارئة، كالأعطال التقنية والهجمات السيبرانية والتغيرات المفاجئة.

5. تلعب الشروط التعاقدية دورًا مهمًا في تنظيم المخاطر، إلا أنها لا تحول دون تدخل القضاء متى ترتب على تطبيقها إرهاق جسيم بأحد الأطراف.

ثانيًا: التوصيات

1. ضرورة تطوير الأطر النظامية والتنظيمية بما يواكب خصوصية العقود الإلكترونية، خاصة فيما يتعلق بتحديد معايير واضحة لتطبيق نظرية الظروف الطارئة في البيئة الرقمية.

2. تعزيز وسائل الإثبات الإلكترونية، من خلال وضع ضوابط تقنية وقانونية تضمن حجيتها وسلامتها، وتسهّل إثبات وقوع الظروف الطارئة.

3. تشجيع تضمين العقود الإلكترونية بنودًا واضحة لتنظيم حالات الظروف الطارئة، مثل آليات إعادة التفاوض أو تعليق التنفيذ، بما يقلل من النزاعات المستقبلية.

4. رفع مستوى الوعي القانوني لدى المتعاملين في البيئة الرقمية بأهمية إدارة المخاطر التعاقدية، وضرورة توثيق التعاملات الإلكترونية.

5. دعم دور القضاء من خلال الاستعانة بالخبرة الفنية والتقنية عند نظر النزاعات المرتبطة بالعقود الإلكترونية، لضمان فهم طبيعة الأعطال أو الظروف الطارئة بشكل دقيق.

وبهذا يتضح أن نظرية الظروف الطارئة تمثل أداة قانونية فعالة لتحقيق التوازن والعدالة في العلاقات التعاقدية، وأن تفعيلها في نطاق العقود الإلكترونية أصبح ضرورة تفرضها طبيعة التحول الرقمي وتسارع المتغيرات التقنية والاقتصادية، الأمر الذي يتطلب تطويرًا مستمرًا في التشريعات.

قائمة المراجع والمصادر 

  1. نظام المعاملات المدنية السعودي، الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/191 وتاريخ 29/11/1444هـ. 
  2. نظام التعاملات الإلكترونية، الصادر بمرسوم ملكي رقم م/18 بتاريخ 8/3/1428م.
  3. عبد الرضا، حيدر. غانم، يوسف. ” نظرية الظروف الطارئة وسيلة قانونية لمواجهة جائحة كورونا”. مجلة دراسات البصرة، (44): 265-288.
  4. فضل الله، عبد الله. ” شروط صحة التعاقد الالكتروني في الفقه والقانون”. مجلة جامعة أم درمان الإسلامية”. 1858-5361.
  5. حربي، نصر. ” حدود سلطة القاضي في تعديل العقد في إطار نظرية الظروف الطارئة”، مجلة الدراسات القانونية والاقتصادية، (2024م): 2356-9492

أكتب تعليقا

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *