هل يخضع الشخص الطبيعي للإفلاس؟ دراسة تحليلية في ضوء نظام الإفلاس السعودي وتطبيقاته القضائية

21 يونيو, 2026
مؤسسات السوق المالية

المقدمة

جاء نظام الإفلاس ليحدث نقلة نوعية من الفكر العقابي التقليدي للمدين المتعثر، إلى فكر حمائي تنظيمي يستهدف إعادة الهيكلة والتنظيم المالي، ومراعاة حقوق الدائنين على نحو عادل. ومع ذلك، يثور تساؤل جوهري دقيق في أوساط الفقه القانوني والتطبيقات القضائية حول نطاق سريان هذا النظام من حيث الأشخاص، وتحديداً مدى خضوع “الشخص الطبيعي” لأحكامه.

وتتمحور مشكلة هذه الدراسة في الإجابة عن التساؤل الرئيس التالي:

  • هل يخضع الشخص الطبيعي للإفلاس في النظام السعودي؟ وتتفرع عنه عدة تساؤلات فرعية:
  • ما هو المعيار النظامي للتفرقة بين الشخص الطبيعي الخاضع لنظام الإفلاس، والشخص الطبيعي الخاضع لإعسار الأفراد؟
  • ما هي الإجراءات القضائية المتاحة للشخص الطبيعي المتعثر في ضوء نظام الإفلاس السعودي؟

وتستمد هذه الدراسة أهميتها من منطلق إثراء المكتبة القانونية السعودية بتحليل متخصص يفصل اللبس الشائع في الأوساط القانونية والعملية بين مفهومي الإفلاس والإعسار للشخص الطبيعي., بالإضافة إلى تقديم قراءة تحليلية واضحة للممارسين القانونيين حول آليات تطبيق نظام الإفلاس على الشخص الطبيعي.

ونعتمد في هذه الدراسة على المنهج التحليلي الاستقرائي، من خلال استقراء النصوص النظامية الواردة في نظام الإفلاس السعودي ولائحته التنفيذية، وتحليلها، ومقارنتها بمفهوم إعسار الأفراد.

الفصل الأول: الإطار المفاهيمي للإفلاس والشخص الطبيعي

المبحث الأول: مفهوم الإفلاس وتطوره النظامي

  • تعريف الإفلاس لغةً واصطلاحًا

الإفلاس في ذاته هو حالة قانونية تنشأ عند تعثر المدين أو عجزه عن سداد ديونه المستحقة، وهي حالة موضوعية تتعلق بالمركز المالي للمدين، أما إشهار الإفلاس فهو الإجراء القضائي الذي يُعلن بموجبه ثبوت هذه الحالة رسميًا، وذلك بصدور حكم أو قرار من المحكمة المختصة بافتتاح أحد إجراءات الإفلاس المنصوص عليها في نظام الإفلاس السعودي بحق المفلس وهو المدين الذي استغرقت ديونه جميع أصوله.

وورد في المادة (1) من نظام الإفلاس تعريف الأصول بأنها: “الأموال المنقولة وغير المنقولة، وحقوق الملكية الفكرية، والحقوق المالية المستحقة على الغير سواء أكانت حالّة أم آجلة، والحقوق التي ترد على أي منها، وغير ذلك مما قد يكون له قيمة مالية حالية أو مستقبلية”.

وبناءً على ما سبق، فالإفلاس في اللغة بأنه مأخوذ الفعل أَفْلَسَ، ويعني: خلوّ الإنسان من المال تمامًا، حتى كأنه لا يملك ولو “فِلسًا” (أقلّ قدر من النقود)، ويُراد به أيضًا: الانتقال من حال الغِنى واليُسر إلى حال الفقر والعُسر

ويعنى به في الإصطلاح: يمثل الواقعة أو الحالة المالية، بينما الإشهار يمثل الإعلان القضائي المنظم لهذه الحالة وما يترتب عليها من آثار نظامية.

  • تطور تنظيم الإفلاس في المملكة العربية السعودية

مر الإفلاس بتطور تاريخي واكب نمو الاقتصاد النمو الوطني، حيث نظمت أحكامه في بادىء الأمر نظام المحكمة التجارية لعام 1350هـ، بتخصيصه فصلاً كاملاً تضمن (35 مادة) تنظم إفلاس التاجر. إلا أن هذا التنظيم اتسم بالجمود؛ إذ كان يركز على الفكر العقابي للمدين، وتصفية أمواله فوراً لحق الدائنين دون طرح حلول بديلة لاستدامة النشاط الاقتصادي، ومن ثم صدر نظام التسوية الوقائية من الإفلاس لعام 1416هـ وصولاً لنظام الإفلاس الحديث لعام 1439هـ (2018م) للمرسوم الملكي رقم (م/50) المكون من (231 مادة)، والذي جاء متوافقاً مع مستهدفات “رؤية المملكة 2030” ولم يعد النظام تشريعاً عقابياً، بل أصبح أداة تمكين اقتصادي تركز على إعادة التنظيم المالي والتسوية الوقائية.

  • أهداف نظام الإفلاس السعودي

نصت المادة (5) من ذات النظام على أن الهدف من إجراءات الإفلاس هو كلاً من الآتي:

أ – تمكين المدين المفلس أو المتعثر أو الذي يتوقع أن يعاني من اضطراب أوضاعه المالية من الاستفادة من إجراءات الإفلاس، لتنظيم أوضاعه المالية ولمعاودة نشاطه والإسهام في دعم الاقتصاد وتنميته.

ب – مراعاة حقوق الدائنين على نحو عادل وضمان المعاملة العادلة لهم.

ج – تعظيم قيمة أصول التفليسة والبيع المنتظم لها وضمان التوزيع العادل لحصيلته على الدائنين عند التصفية.

د – خفض تكلفة الإجراءات ومددها وزيادة فعاليتها وبخاصة في إعادة ترتيب أوضاع المدين الصغير أو بيع أصول التفليسة وتوزيعها على الدائنين على نحو عادل خلال مدة محددة.

هـ – التصفية الإدارية للمدين الذي لا يتوقع أن ينتج عن بيع أصوله حصيلة تكفي للوفاء بمصروفات إجراء التصفية أو التصفية لصغار المدينين.

المبحث الثاني: مفهوم الشخص الطبيعي وتمييزه عن الشخص الاعتباري

  • تعريف الشخص الطبيعي في الأنظمة السعودية

سن المنظم نصوصًا تنظم أحكام كل من الشخص الطبيعي والاعتباري في نظام المعاملات المدنية، ويقصد في الأول بأنه هو الإنسان وتبدأ هذه الشخصية بتمام ولادته حيًا وتنتهي بموته كما نصت على ذلك المادة (3) من النظام، ويقصد بالآخر استنادًا لنص المادة (17) من ذات النظام وهم كل مما يأتي:

  1. الدولة.
  2. الهيئات والمؤسسات العامة والمصالح التي تمنح شخصية اعتبارية بموجب النصوص النظامية.
  3. الأوقاف.
  4. الشركات التي تمنح شخصية اعتبارية بموجب النصوص النظامية.
  5. الجمعيات الأهلية والتعاونية والمؤسسات الأهلية التي تمنح شخصية اعتبارية بموجب نصوص نظامية.
  6. كل ما يمنح شخصية اعتبارية بموجب النصوص النظامية.
  7. الفرق بين الشخص الطبيعي والاعتباري

يكمن الفرق الجوهري في اختلاف الشخص الطبيعي عن الشخص الاعتباري بأن الأخير يعد كيان تنشئه مجموعة من الأشخاص، ويمنحه النظام شخصية قانونية مستقلة عن الأفراد المؤسسين له في سبيل تحقيق غاية أو غرض معين ومثال ذلك: الشركات بأنواعها، وتقوم على ثلاث عناصر وهي:  أن يكون مكون من مجموعة من أشخاص أو من الأموال أو بهما معًا، أن يتمتع بشخصية قانونية مستقلة، أن يكون قائم على تحقيق غرض معين.

وكما يكون للشخص الطبيعي اسم يميزه، كذلك يكون للشخص الاعتباري وهو يتميز عن غيره من الأشخاص الاعتبارية، وتكون له ذمة مالية مستقلة عن الذمة المالية للأفراد المكونين له.

  • مدى أهلية الشخص الطبيعي لممارسة الأعمال التجارية

يعنى بالأهلية هنا أهلية الأداء وهي: صلاحية الشخص لاكتساب الحقوق وتحمل التزامات، وتثبت للشخص كامل أهليته وهو عندما يبلغ الشخص سن الرشد متمتعًا بقوة العقل ولم يحجر عليه، وسن الرشد هي تمام (ثماني عشرة) سنة هجرية استنادًا لنص المادة (12) من نظام المعاملات المدنية، فمتى توافرت في الشخص هذه الاشتراطات كان له الحق في ممارسة التصرفات القانونية.

أما بالنسبة للشخص الاعتباري فإنه بمجرد ثبوت الشخصية القانونية له تكون له أهلية وجوب وأهلية أداء كاملة، ولكنه لا يمارسها بنفسه، بل يكون له نائب يمثله ويعبر عن إرادته.

المبحث الثالث: فلسفة إخضاع الأفراد للإفلاس

تقوم فكرة إخضاع الأفراد لنظام الإفلاس إلى تحقيق توازن دقيق بين حماية الحقوق المالية للدائنين، وإعادة دمج المدين حسن النية، وتقوم هذه الفلسفة التشريعية على أربع اعتبارات مهمة تضمن استقرار المعاملات المالية والاجتماعية، وهي تفصيلاً كما يلي:

  1. الاعتبارات الاقتصادية: ترتبط فلسفة إخضاع الأفراد لنظام الإفلاس ارتباطًا وثيقًا بالاقتصاد الوطني، إذ إن الاستهلاك الفردي يُعد أحد المحركات الأساسية لنمو السوق وازدهاره. ومن هذا المنطلق، جاء تنظيم إفلاس الأفراد ليؤسس آلية قانونية واضحة ومفصلة لمعالجة حالات العجز المالي التي قد يواجهها الفرد، بما يضمن إعادة إدماجه في النشاط الاقتصادي، وتمكينه من استعادة قدرته الاستهلاكية والإنتاجية، الأمر الذي ينعكس إيجابًا على استقرار السوق.
  2. حماية الدائنين: أتى نظام الإفلاس السعودي كصمام أمان في للتعاملات التجارية حيث يهدف في جوهره إلى تحقيق التوازن بين مصالح المدين المتعثر أو المفلس من جهة وحقوق الدائنين من جهة أخرى، وهو ما سوف نتعرف عليه في هذا البحث.
  3. تشجيع الاستثمار وريادة الاعمال: يعد الهدف الأساس لتنظيم أحكام الإفلاس في النظام السعودي، هو سعي المنظم لتوفير بيئة قانونية محفزة للاستثمار والأعمال، ولا يقوم لهذا الهدف مقام إلا من خلال تنظيم إجراءات الإفلاس بشكل فعال وسلس يتيح للدائنين استيفاء حقوقهم وتراعى في نفس الوقت استمرارية نشاط المنشآت التجارية.
  4. إعادة التنظيم المالي للأفراد: يعد هذا الإجراء من الإجراءات التي ينظمها نظام الإفلاس السعودي، ويعنى به استنادًا لنص المادة (5) من نظام الإفلاس: بأنه إجراء يهدف إلى تسهيل اتفاق بين المدين والدائنين لإعادة تنظيم نشاطه المالي تحت إشراف أمين إعادة التنظيم المالي.

الفصل الثاني: نطاق سريان نظام الإفلاس على الشخص الطبيعي

المبحث الأول: الأساس النظامي لخضوع الشخص الطبيعي للإفلاس

نفصل محاور هذا المبحث على النحو الآتي:

  • تحليل المادة الرابعة من نظام الإفلاس

تمثل المادة الرابعة من النظام الأساس النظامي لخضوع الشخص الطبيعي لأحكام نظام الإفلاس وإجراءاته، وبناءً على ذلك نجد أن المنظم وضع معايير محددة، ويظهر تفصيلها على النحو الآتي: تسري أحكام النظام على كلّ من:

أ – الشخص ذي الصفة الطبيعية الذي يمارس في المملكة أعمالاً تجارية، أو مهنية، أو أعمالاً تهدف إلى تحقيق الربح.

ب – الشركات التجارية والمهنية والكيانات المنظمة وغيرها من الشركات والكيانات الأخرى الهادفة إلى تحقيق الربح، المسجلة في المملكة.

ج – المستثمر غير السعودي ذي الصفة الطبيعية أو الاعتبارية الذي يملك أصولاً في المملكة، أو يزاول أعمالاً تجارية، أو مهنية أو أعمالاً تهدف إلى تحقيق الربح، من خلال منشأة مرخص لها في المملكة. ولا يخضع لإجراءات النظام سوى أصول ذلك المستثمر الموجودة في المملكة.

وانطلاقًا مما سبق، نلاحظ أن المنظم شمل كل من الأشخاص الاعتبارية والطبيعية في أحكام هذا النظام وسريانه، وعلى اشتراط لسريانه على الشخص الطبيعي وهو أن يكتسب صفة التاجر بممارسته لإحدى الأعمال التجارية التي تهدف لتحقيق الربح.

  • المقصود بالشخص ذي الصفة الطبيعية في النظام

لا يخفى علينا أن الشخص الطبيعي هو كل إنسان طبيعي ثبتت له الشخصية القانونية منذ ولادته وحتى وفاته، ويقصد بالشخص الطبيعي في سياق هذا النظام، هو كل شخص طبيعي اكتسب صفة التاجر ولاكتساب هذه الصفة يوجد بعض الشروط التي يجب توافرها وهي على النحو الآتي:

  1. أن يمارس الأعمال التجارية على سبيل الاحتراف ويعنى بذلك أن يتخذ الشخص عمل تجاري معين مهنة رئيسية له كمصدر رزق له، وفي هذا السياق فإن مسألة الاحتراف لا تفترض، بل يقع على من يدعيه عبء إثباته، ويثبت ذلك باستئناس القاضي بالقرائن مجتمعة وهي شهرة الشخص في المجال التجاري، القيد في السجل التجاري، إمساك الدفاتر التجارية، جميع ما سبق يمكن بها إثبات شرط الاحتراف.
  2. ولا يكتفى بشرط الاحتراف فقط، بل يجب أن يكون ممارسة الشخص للأعمال التجارية بصورة منتظمة ومستمرة وعلى وجه الاستقلال أي لحسابه الخاص، إذ يعد هذا الشرط مكملاً لشرط الاحتراف.
  3. بالإضافة للشروط التي ذكرناها أعلاه، يجب أن يكون الشخص أهلاً لاحتراف التجارة، وذلك بأن تكون له القدرة في مباشرة التصرفات القانونية وتحمل كافة الالتزامات الناشئة عنها.
  4. شرط ممارسة الأعمال التجارية أو المهنية أو الربحية

أتى المنظم بالنص على تعريف كل من الأعمال التجارية والمهنية والربحية في المادة (1) بالنص على:”

-الأعمال التجارية: الأعمال التجارية المنصوص عليها في الأنظمة ذات العلاقة، وعلى سبيل المثال الشركات التجارية التي نشاطها التجارة الإلكترونية أو تلك التي تنفذ المشاريع والتوريد.

-الأعمال المهنية: أعمال يمارسها الشخص لحسابه الخاص على سبيل الاحتراف استناداً إلى خبرة، أو تأهيل، أو ملكة، أو مهارة، ودون ارتباط بعقد عمل مع المستفيد يخضعه لتبعيته ومسؤوليته وإشرافه.

وعلى سبيل المثال على ذلك ممارسة المحاماة والاستشارات القانونية أو مهنة الطب أو المحاسبة والاستشارات الهندسية.

المبحث الثاني: الأشخاص الطبيعيون المشمولون بالنظام

بالمبحث الأول أعلاه، تعرفنا على ماهية الشخص الطبيعي في نظام الإفلاس، ومن هذا المنطلق نستنج الأشخاص الطبيعيون المشمولون بالنظام، وهم كالآتي:

  1. التاجر الفرد، متى توافرت فيه الشروط الآنف ذكرها.
  2. المهنيون وأصحاب الأعمال الحرة.
  3. المستثمر الفرد، الذي يملك أصولاً في المملكة، أو يزاول أعمالاً تجارية، أو مهنية أو أعمالاً تهدف إلى تحقيق الربح، من خلال منشأة مرخص لها في المملكة. ولا يخضع لإجراءات النظام سوى أصول ذلك المستثمر الموجودة في المملكة.
  4. رواد الأعمال وأصحاب المنشآت الصغيرة، متى توافرت فيها الشروط الخاصة بالتاجر أو كان يمارس عملاً تجاريًا ومهنيًا يهدف إلى تحقيق الربح.

المبحث الثالث: الأشخاص الطبيعيون غير الخاضعين للنظام

يأتي هذا المبحث على نقيض أحكام المبحث السابق، حيث يتناول بيان الأشخاص الطبيعيين الذين لا تنطبق عليهم أحكام نظام الإفلاس السعودي، وذلك لعدم توافر الشروط النظامية اللازمة للخضوع له، وعلى النحو الآتي:

أولًا: الموظف غير الممارس للنشاط الربحي

يُعد الموظف الذي لا يزاول أي نشاط ربحي أو تجاري من الفئات غير المشمولة بأحكام نظام الإفلاس، وذلك لانتفاء شرط جوهري يتمثل في ممارسة نشاط اقتصادي هادف إلى تحقيق الربح. إذ يقتصر مصدر دخله على الأجر أو الراتب الشهري، دون أن يباشر نشاطًا تجاريًا أو مهنيًا. وبناءً عليه، فإن تصرفاته والتزاماته المالية تخضع للأحكام العامة للإعسار الواردة في نظام المعاملات المدنية، متى توافر عنصرا المديونية والعجز عن الوفاء.

ثانيًا: المدين المدني العادي

يُقصد بالمدين المدني العادي كل شخص طبيعي ترتبت في ذمته ديون ناشئة عن تصرفات مدنية بحتة، كالقروض الشخصية أو الالتزامات التعاقدية غير المرتبطة بنشاط تجاري أو مهني، وفي حال تعثره في سداد هذه الالتزامات، فإنه لا يخضع لنظام الإفلاس، وإنما يُطبق عليه نظام الإعسار المدني، باعتباره لا يندرج ضمن فئة المدينين ذوي النشاط الاقتصادي المنظم.

ثالثًا: الالتزامات الشخصية البحتة

تُعد الالتزامات الشخصية من قبيل الديون التي تنشأ عن روابط شخصية أو عائلية، مثل نفقة الزوجة والأبناء، أو التعويضات المتعلقة بالحق الخاص. وتخرج هذه الالتزامات بطبيعتها عن نطاق إجراءات الإفلاس، نظرًا لارتباطها بحقوق شخصية لا تقبل التسوية الجماعية مع الدائنين، وتخضع لأحكام خاصة تكفل حمايتها وضمان استيفائها.

رابعًا: الإشكالات المتعلقة بالديون المختلطة

تُثير الديون المختلطة إشكالًا في تحديد مدى خضوعها لأحكام نظام الإفلاس، نظرًا لكونها تجمع بين الصفة التجارية بالنسبة لأحد أطرافها، والصفة المدنية بالنسبة للطرف الآخر. ويُعتد في هذا الشأن – وفقًا للاتجاه الغالب – بصفة المدين دون الدائن عند تحديد نطاق الخضوع للنظام.

فإذا كان المدين شخصًا طبيعيًا لا يزاول نشاطًا تجاريًا أو مهنيًا هادفًا للربح، فإن الدين المختلط لا يُدخله ضمن نطاق الخضوع لإجراءات الإفلاس، ويظل خاضعًا لأحكام الإعسار المدني، ولو كان الدين ذا طبيعة تجارية بالنسبة للدائن. أما إذا كان المدين تاجرًا أو يمارس نشاطًا مهنيًا أو استثماريًا، فإن الدين – ولو كان مختلطًا – يُعتد به ضمن ديونه التي تصلح أساسًا لافتتاح إجراءات الإفلاس، متى توافرت شروطه النظامية.

الفصل الثالث: إجراءات الإفلاس المطبقة على الشخص الطبيعي

المبحث الأول: إجراءات التسوية الوقائية

بادئ ذي بدء، تُعد التسوية الوقائية أحد إجراءات الإفلاس التي يطلبها المدين بهدف التوصل إلى اتفاق مع دائنيه لتسوية ديونه، مع احتفاظه بإدارة نشاطه. ويقوم المدين بتقديم طلب افتتاح الإجراء إلى المحكمة المختصة، متضمنًا مقترحًا للتسوية ودراسة لجدوى نشاطه والنتائج المتوقعة، بما يُظهر إمكانية استمرار النشاط وقدرته على الوفاء بحقوق الدائنين.

وبعد ذلك، تنظر المحكمة في الطلب وتعقد جلسة للفصل فيه، ويهدف هذا الإجراء إلى تجنب إجراء التصفية وتمكين المدين من الاستمرار في ممارسة نشاطه.

أولًا: شروط افتتاح إجراء التسوية الوقائية

يلجأ المدين إلى هذا الإجراء عندما يصل إلى مرحلة من العسر المالي الذي لم يبلغ حد الإفلاس، ولذلك سُمي بالتسوية الوقائية؛ إذ لا يزال المدين قادرًا على إعادة هيكلة وضعه المالي وتحقيق التوازن بين حقوقه وحقوق دائنيه.

وتتمثل شروط افتتاح هذا الإجراء فيما يأتي:

1- تقديم المدين طلبًا رسميًا إلى المحكمة المختصة، مرفقًا به كافة الوثائق والمعلومات ذات الصلة، مثل:

    – نبذة عن نشاطه، القوائم المالية، قائمة تفصيلية بالديون وتواريخ استحقاقها، قائمة بالأصول التي يملكها وقيمتها الإجمالية.

2- إرفاق خطة إصلاح مع الطلب، تكون بمثابة مقترح قابل للتنفيذ، يوضح فيها المدين وضعه المالي وأسباب تعثره ووسائل معالجته، على أن تخضع هذه الخطة لتقييم المحكمة والموافقة عليها بعد دراسة دقيقة لوضع المدين المالي.

ثانيًا: آثار التسوية الوقائية ودور كل من المحكمة والدائنين

يتمثل دور المحكمة في التحقق من توافر شروط افتتاح إجراء التسوية الوقائية في الطلب المقدم. وفي حال توافرها، تقوم المحكمة بتحديد موعد للنظر في الطلب خلال مدة لا تتجاوز (40) يومًا من تاريخ قيده، مع تبليغ المدين بموعد الجلسة.

ولا يُعد مجرد قيد الطلب بدءًا للإجراء، بل يتوقف ذلك على ما تقرره المحكمة خلال الجلسة؛ إذ لها أن:

–  تقرر افتتاح الإجراء.

– أو ترفض الطلب،

–  أو تأجيل النظر فيه لمدة لا تتجاوز (21) يومًا.

وفي حال قبول الطلب وافتتاح الإجراء، تعمل المحكمة على اعتماد خطة التسوية بالتعاون مع الدائنين والجهات المعنية.

أما دور الدائنين، فيتمثل في التصويت على مقترح التسوية المقدم من المدين، وذلك بعد قبول المحكمة لافتتاح الإجراء، ويُعد هذا التصويت عنصرًا جوهريًا في اعتماد الخطة، إذ لا تصبح نافذة إلا بعد موافقة الدائنين وفق النسب المقررة نظامًا.

كما يحق للدائنين الاطلاع على مقترح التسوية وكافة المستندات المتعلقة بالوضع المالي للمدين، وذلك لتمكينهم من اتخاذ قرار بشأن التصويت، ويجوز لهم كذلك إبداء ملاحظاتهم أو الاعتراض على بعض بنود الخطة، بما يحقق التوازن بين مصالحهم ومصلحة المدين في الاستمرار بنشاطه.

وفي حال موافقة الدائنين على مقترح التسوية واعتماده من المحكمة، تصبح الخطة ملزمة لجميع الدائنين المشمولين بها، بما في ذلك من لم يوافق عليها، متى تحققت الشروط النظامية للاعتماد. ويترتب على ذلك وقف المطالبات الفردية للدائنين، والتزامهم بما ورد في الخطة من آجال سداد أو تخفيض للديون أو إعادة جدولتها، أما في حال عدم موافقة الدائنين على المقترح، أو تعذر الوصول إلى اتفاق، فإنه يجوز للمحكمة إنهاء إجراء التسوية الوقائية، وقد يترتب على ذلك انتقال المدين إلى أحد إجراءات الإفلاس الأخرى، كإعادة التنظيم المالي أو التصفية.

المبحث الثاني: إعادة التنظيم المالي للشخص الطبيعي

  • مفهوم إعادة التنظيم المالي

يهدف هذا الإجراء إلى تسهيل الاتفاق بين المدين والدائنين لإعادة تنظيم نشاطه المالي تحت إشراف أمين إعادة التنظيم المالي، ومن هذا المنطلق يعتبر هذا الإجراء عملية تتمثل يعمل عليها المدين ساعيًا في ذلك شد أزره لاستعادة عافيته المالية باستخدام وسائل شتى يمكن أن تشمل الإعفاء من الديون، وإعادة جدولة الديون، والمحكمة لا تقضي بافتتاح الإجراء إلا إذا توافرت الشروط الآتية:

1-           ترجح لديها إمكانية استمرار نشاط المدين وتسوية مطالبات الدائنين خلال مدة معقولة.

2-           كان المدين مفلساً أو متعثراً أو من المرجح أن يعاني من اضطرابات مالية يخشى معها تعثره.

3-           قدم مقدم الطلب المعلومات والوثائق المطلوبة.

  • تعيين الأمين والصلاحيات

ورد في المادة (1) من نظام الإفلاس بأن أمين الإفلاس أو الأمين هو: “من تعينه المحكمة أو مقدم الطلب -بحسب الأحوال- لأداء المهمات والواجبات المنوطة به بحسب نوع الإجراء، ويشمل ذلك أمين إعادة التنظيم المالي وأمين التصفية”، الذي يشترط أن يبذل العناية الواجبة تجاه مصالح الدائنين، ومن ذلك متابعة ما يأتي:

1-           التعديلات التي تطرأ على أحكام الأنظمة واللوائح والقواعد والتعليمات ذات الصلة. التحديثات في القواعد والمعايير الصادرة عن الجهات المهنية ذات العلاقة.

2-           الاطلاع على التطور في ممارسات الإفلاس المحلية والدولية.

حيث يتم تعيينهم من خلال من المحكمة المختصة عند افتتاح الإجراء، وذلك من المدرجين بقائمة أمناء الإفلاس، ويجوز لمقدم الطلب أن يقترح على المحكمة اسم الأمين الذي يرغب في تعيينه من بين المدرجين في القائمة.

  • خطة إعادة التنظيم وآثارها

بعد افتتاح الإجراء يقع على الأمين التزامًا يقضي بتبليغ الدائنين المعلومين بحكم المحكمة ويدعوهم إلى تقديم مطالباتهم خلال مدة لا تزيد على (90) يومًا من تاريخ التبليغ وذلك وفق النموذج المعتمد من لجنة الإفلاس، ويودع نسخة من الحكم في سجل الإفلاس.

المبحث الثالث: التصفية وإجراءاتها

بادىء ذي بدء تهدف التصفية إلى حصر مطالبات الدائنين وبيع أصول المدين، وتوزيع حصيلتها عليهم تحت إدارة أمين التصفية، حيث يهدف إلى معالجة حالة تعثر المدين، ومن هذا المنطلق نتناول في هذا المبحث كل من الآتي:

  • حالات اللجوء للتصفية

تختلف شروط طلب افتتاح إجراء الإفلاس تبعًا لنوع الإجراء المراد افتتاحه، حيث نصت المادة (41) من نظام الإفلاس السعودي على أن: تقضي المحكمة – من تلقاء نفسها أو بناءً على طلب ذي مصلحة – بافتتاح إجراء الإفلاس المناسب إذا تحققت الشروط الآتية:

أ- أن يكون المدين متعثرًا أو مفلسًا.

ب- استيفاء شروط افتتاح إجراء الإفلاس المراد افتتاحه.

وبناءً على ذلك، فإنه عند طلب افتتاح إجراء التصفية، فإن المحكمة تفصل في الطلب وفقًا لما تقضي به المادة (99) من النظام، حيث تحدد موعدًا للنظر في طلب افتتاح الإجراء خلال مدة لا تتجاوز (أربعين) يومًا من تاريخ قيد الطلب، مع تبليغ مقدم الطلب والمدين بموعد الجلسة خلال (خمسة) أيام من تاريخ القيد.

وللمحكمة بعد نظر الطلب أن تقضي بافتتاح إجراء التصفية إذا توافرت الشروط الآتية:

  1.  أن يكون المدين متعثرًا أو مفلسًا.
  2. أن يترجح لديها – استنادًا إلى المعلومات المقدمة – تعذر استمرار نشاط المدين.
  3.  أن تكون أصول المدين كافية للوفاء بمصروفات إجراء التصفية.
  4. أن يكون مقدم الطلب قد استوفى المعلومات والوثائق المنصوص عليها في المادة (93) من النظام.

وعليه، فإن افتتاح إجراء التصفية لا يتم إلا بحكم قضائي تتحقق فيه المحكمة من توافر الشروط الموضوعية والإجرائية المنصوص عليها نظامًا.

وكذلك قد نصت المادة (7) من نظام الإفلاس على: لا يصفى أي شخص بموجب نظام آخر إلا إذا كانت أصوله تكفي لسداد جميع ديونه وكان غير متعثر.

  • بيع الأصول وتوزيع الحصيلة

يقصد بالأصول هي أصول المدين الذي افتتح بحقه إجراء التصفية وهي تلك الأموال المنقولة وغير المنقولة، بالإضافة إلى حقوق الملكية الفكرية والحقوق المالية المستحقة على الغير، سواء كانت حالة أو مؤجلة، وتساعد معرفة أًصول التفليسة من حيث مقدارها في معرفة نوع التصفية المقترح إما أن يكون تصفية لصغار المدنيين أو إلى تصفية إدارية وهي التي سوف نتعرف عليها فيما بعد.

ومن هذا المنطلق، تبدأ إجراءات التصفية أولاً بتقييد الطلب لدى المحكمة المختصة الذي يترتب عليه أثرًا هامًا ألا وهو منع المدين من التصرف في تلك الأصول بمجرد قبول المحكمة قيد الطلب، ومن ثم تتدرج الإجراءات بعد تعيين أمين الإفلاس وذلك على النحو الآتي:

  1. الحجز على أصول المدين سواء التي في حيازته أو التي لدى الغير، وذلك بأمر من المحكمة، والهدف من ذلك حصر الأصول والتحقق من كفايتها لسداد كافة ديون المدين أم لا.
  2. يفقد المدين الصفة النظامية في التصرف بالأصول بعد الحجز عليها وتعيين أمين الإفلاس بدلاً منه.
  3. تعلق المطالبات حتى الانتهاء من كافة إجراء التصفية وتوزيع الحصيلة على الدائنين بحسب أولوية كل دائن واستحقاق دينه.
  4. أثر انتهاء أجر التصفية

 ينتهي إجراء التصفية بعد الانتهاء من بيع الأصول وتوزيع الحصيلة، ويختلف الأثر بالنسبة لاختلاف المدين وذلك على النحو الآتي:

  • المدين الاعتباري:

يترتب على انتهاء إجراء التصفية بالنسبة للشخص الطبيعي حل هذه الشخصية، وشطب سجلها التجاري لدى وزارة التجارة، أما إن تبقت ديونًا تشغل ذمتها المالية العمل على إجراءات وأحكام الشخصية الاعتبارية الخاصة، فـ لو كانت شركة تضامن كان لزامًا على المالكين أو المؤسسين تسديد هذا الدين لأن الدين انتقل لذمتهم الشخصية، أما لو كانت شخصية ذات مسؤولية محدودة فالأمر مختلف حيث قد انتهت الشركة وحلت بانتهاء إجراء التصفية وليس للدائنين إلا ما حصلوا عليه من أصول التفليسة.

  • المدين الطبيعي:

لا تبرأ ذمة ذي الصفة الطبيعية من دين متبق إلا بموجب إبراء خاص أو عام من كافة الدائنين، ولكن يُزال اسمه من سجل الإفلاس ويكون قد انتهى بالنسبة له هذا الإجراء، الذي بأثره يحق له ممارسة الأعمال التجارية أو المهنية أو الهادفة لتحقيق الربح فإن حصل على مال كان لزامًا عليه التقدم إلى المحكمة بطلب توزيع هذا المال على الدائنين وذلك دون إخلال بحق الأخرين بحق التقدم بهذا الطلب، على أن يكون خلال (24) أربعة وعشرين شهرًا من تاريخ إنهاء إجراءات التصفية.

الفصل الرابع: الآثار النظامية لإفلاس الشخص الطبيعي

المبحث الأول: الآثار المتعلقة بالمدين

يترتب على افتتاح أي من إجراءات التصفية أو الإفلاس ضد الشخص الطبيعي إلى تأثر مركزه القانوني بشكل كبير، والغاية من ذلك تكمن في حماية الأموال وضمان سداد مستحقات الدائنين، ويأتي بيان هذه الآثار على النحو الآتي:

  • تقييد التصرفات المالية

بمجرد افتتاح أي من إجراءات الإفلاس، تغل يد المدين الطبيعي عن إدارة أمواله أو التصرف فيها، وينتقل هذا الحق إلى أمين الإفلاس، الذي يتولى الإشراف على أصول المدين، والمحافظة عليها، وإدارتها أو بيعها وفق ما تقرره المحكمة وأحكام نظام الإفلاس السعودي، بما يضمن توزيع العوائد على الدائنين وفق الأولويات النظامية.

وعليه، ورد في المادة (1) من نظام الإفلاس بأن أمين الإفلاس أو الأمين هو: “من تعينه المحكمة أو مقدم الطلب -بحسب الأحوال- لأداء المهمات والواجبات المنوطة به بحسب نوع الإجراء، ويشمل ذلك أمين إعادة التنظيم المالي وأمين التصفية”، الذي يشترط أن يبذل العناية الواجبة تجاه مصالح الدائنين، ومن ذلك متابعة ما يأتي:

  • التعديلات التي تطرأ على أحكام الأنظمة واللوائح والقواعد والتعليمات ذات الصلة، التحديثات في القواعد والمعايير الصادرة عن الجهات المهنية ذات العلاقة.
  •  التطور في ممارسات الإفلاس المحلية والدولية.
  • أثر الإفلاس على النشاط التجاري

يترتب على الإفلاس أثرًا بالغًا على النشاط التجاري واستمراره، وذلك تبعًا لكل إجراء من إجراءات الإفلاس وآثاره.

  • الاعتبار المالي والائتماني

يؤثر الإفلاس بشكل مباشر على الاعتبار المالي والائتماني للمدين، وذلك في مدى قدرته على الوفاء بالتزاماته المالية المستقبلية، لأن ذلك ينعكس على سجله الائتماني بالأساس.

المبحث الثاني: الآثار المتعلقة بالدائنين

يكمن في هذا المبحث النتيجة التي ينتظرها كل من الدائنين من فتح إحدى إجراءات الإفلاس وهي أربعة إجراءات: إعادة التنظيم المالي، إعادة التنظيم المالي لصغار المدينين، التصفية، التصفية لصغار المدينين، وتفتتح المحكمة أي من هذه الإجراءات إذا تحققت شروطها النظامية، ومن ثم تبعًا لذلك يحق للدائن حضور جلسات افتتاح أحد إجراءات الإفلاس سواء أكان الدائن هو من تقدم بطلب افتتاح الإجراء أو كان الطلب مقدمًا من المدين أو من دائن آخر, فضلاً عن حقهم في الاطلاع على ما لدى الأمين أو لجنة الإفلاس من معلومات ووثائق متعلقة بإجراء الإفلاس المفتتح ما لم يقرر الأمين أو لجنة الإفلاس أو الجهة المختصة أنها سرية لأسباب تتعلق بالمحافظة على قيمة أصول التفليسة أو استمرار الإجراء أو النشاط الذي تشرف عليه الجهة المختصة.

ومن هذا المنطلق نورد الآثار المتعلقة بالدائنين، على النحو الآتي:

  • حماية حقوق الدائنين

تتمثل هذه الحماية من خلال الإجراءات النظامية الموضوعة لضمان استيفاء ديونهم بطريقة منظمة، وذلك من خلال حصر أصول المدين وتقييمها وبيعها لتحصيل مستحقات كل دائن.

  • وقف المطالبات الفردية

بطبيعة الحال أن الهدف من فتح أو البدء في إحدى إجراءات الإفلاس هو تحقيق التوازن بين المراكز القانونية، فالمدين طالت على عاتقه مطالبات فردية تجاوزت قدرته المادية، والدائنين رغبتهم الأولى هو أن يسدد المدين حقوقهم المالية، إلا إن الإفلاس جاء لترتيب هذا الأمر وفق الإجراءات النظامية وبمجرد فتح إحدى إجراءات الإفلاس يتم وقف المطالبات الفردية التي تهدف بدورها حصول كل دائن على حقه.

لأن الحجز على أصول المدين في نظام الإفلاس يكون حجزًا جماعيًا على خلاف الحجز بمفهومه العادي في أحكام المعاملات المدنية التي يقصد من خلالها الدائن الحجز على أصول المدين ويكون هذا الحجز حجزًا فرديًا، وذلك في حال قام بمطالبة المدين قضائيًا بسداد ما عليه من ديون ولم يقم بذلك على الرغم من تنفيذ الحكم عليه فإن الأمر يتعدى إلى الوصول بيع هذه الأصول وتحصيل قيمتها لصالح الدائن.

بالتالي نستنتج أن نظام الإفلاس يقتصر تطبيق أحكامه على الشركات والتجار ولا يدخل في نطاقه الشركات الخاضعة لأحكام نظام المعاملات المدنية وهي التي لم ينظم أحكامها نظام الشركات السعودي.

  • ترتيب الأولويات والديون

نص نظام الإفلاس السعودي على ترتيب واضح للأولويات عند سداد الديون في إجراء التصفية، وذلك لضمان تنظيم توزيع أصول التفليسة، حيث تُسدد أولاً أتعاب ومصروفات أمين الإفلاس والخبير (إن وجد)، إضافة إلى مصروفات بيع أصول التفليسة، باعتبارها مصروفات لازمة لإدارة الإجراء نفسه.

ثم تستوفى الديون بحسب ترتيب الأولوية، حيث تُقدم الديون المضمونة بضمان عيني مثل الرهون، لأنها مرتبطة بأصول محددة، يليها التمويل المضمون وفق أحكام النظام، ثم مستحقات العمال بما يعادل أجر ثلاثين يوماً حمايةً لحقوقهم. بعد ذلك تأتي النفقات الأسرية المقررة نظاماً أو بحكم قضائي، ثم المصروفات اللازمة لاستمرار نشاط المدين أثناء إجراءات الإفلاس، تليها أجور العمال السابقة.

وبعدها تُسدد الديون غير المضمونة، ثم الرسوم والاشتراكات والضرائب والمستحقات الحكومية غير المضمونة، باعتبارها في مرتبة أدنى من الديون المضمونة.

كما عالج النظام حالات خاصة، فإذا زادت حصيلة بيع أصل مرهون عن مقدار الدين المضمون به، يُودع الفائض ضمن أصول التفليسة، أما إذا لم تكفِ الحصيلة لسداد الدين كاملاً، فإن الجزء المتبقي يُعد ديناً غير مضمون. وفي حال عدم كفاية أموال التفليسة لتسديد ديون الدائنين من ذات المرتبة، يتم التوزيع بينهم وفق مبدأ قسمة الغرماء، أي بنسبة كل دين.

المبحث الثالث: الآثار الاجتماعية والاقتصادية

  1. أثر الإفلاس على الأسرة والاستقرار المالي:

    قد يؤدي الإفلاس إلى ضغوط مالية على المدين وأسرته نتيجة تعثره في ممارسة نشاطه التجاري، مما ينعكس على مستوى الدخل والاستقرار المعيشي، ومع ذلك، فإن وجود إجراءات نظامية للإفلاس يخفف من حدة الأثر عبر تنظيم التعامل مع الديون وإتاحة فرص لإعادة الهيكلة أو التصفية بشكل منظم وعادل.

  • تعزيز بيئة الاستثمار:

    يساهم نظام الإفلاس في دعم الاقتصاد وتعزيز بيئة الاستثمار من خلال توفير إطار قانوني واضح لمعالجة التعثر المالي، مما يزيد من ثقة المستثمرين في السوق، ويشجع على الدخول في أنشطة تجارية مع وجود ضمانات قانونية تحفظ الحقوق وتنظم الخروج من السوق عند الحاجة.

  • التوازن بين الحماية والجزاء:

    يحقق نظام الإفلاس توازناً بين حماية المدين حسن النية من خلال منحه فرصاً لإعادة التنظيم أو تسوية أوضاعه المالية، وبين ضمان حقوق الدائنين وتحميل المدين المسؤولية عند وجود تقصير أو سوء إدارة من قبله.

الفصل الخامس: التطبيقات القضائية والإشكالات العملية

المبحث الأول: التطبيقات السعودية المتعلقة بإفلاس الأشخاص الطبيعيين

  • اتجاهات المحاكم التجارية

يتمثل اختصاص المحكمة التجارية بالنظر بطلبات الإفلاسبالأساس ومن ثم تتحقق من توافر وصف التاجر في مقدم طلب من طلبات الإفلاس، وتتبين اتجاهات المحاكم التجارية على النقاط التي سوف نشرحها على النحو الآتي:

– معايير إثبات الصفة التجارية

تتمثل آلية إثبات الصفة التجارية في التحقق من توافر معايير عديدة أن تكون الأعمال التي يمارسها الشخص تجارية بطبيعتها وتكون ممارستها له بصفة منتظمة ومستمرة بحيث تصبح حرفته المعتادة، وأن تكون لحسابه الخاص.

  • أبرز الأحكام والمبادئ القضائية

نورد في هذه الفقرة أبرز الأحكام القضائية التجارية في المملكة العربية السعودية في مسائل الإفلاس التي تتضمن مبادئ هامة فيها، وذلك على النحو الآتي:

  • القضية الأولى لعام 1444هـ:

تقدم المدعي وكالة بطلب تصفية الشركة أمام المحكمة التجارية وذلك بإدعاءات مرسلة غير مدعمة ببينات قرائن ضد شريكًا فيها بأنه لا يتجاوب وغير ملتزم ولما طلبت المحكمة من المدعي وكالة الإفصاح عن المركز المالي للشركة محل الدعوى المراد تصفيتها وتقديم القوائم المالية للاطلاع على ما لها وما عليها من التزامات الذي على أثره لم يقدم أيًا منها, الأمر الذي تعذر معه التحقق من توافر شروط المادة (7) من نظام الإفلاس التي نصت على: لا يصفى أي شخص بموجب نظام أخر إلا إذا كانت أًوله تكفي لسداد جميع ديونه وكان غير متعثر.

  • القضية الثانية لعام 1442هـ:

انتهت الدائرة لعدم قبول طلب طالب افتتاح إجراء إعادة التنظيم المالي استنادً لنص المادة (42) وذلك بقولها: دون الإخلال بأحكام الأنظمة ذات العلاقة، للمدين أو الدائن أو الجهة المختصة التقدم إلى المحكمة بطلب افتتاح إجراء إعادة التنظيم المالي للمدين في أي من الحالات الآتية:

أ- إذا كان من المرجح أن يعاني من اضطرابات مالية يخشى معها تعثره.

ب- إذا كان متعثراً.

ج- إذا كان مفلساً.

  • لا يجوز التقدم بطلب افتتاح إجراء إعادة التنظيم المالي إذا كان سبق للمدين الخضوع إلى هذا الإجراء أو إلى إجراء إعادة التنظيم المالي لصغار المدينين خلال (الاثني عشر) شهراً السابقة لطلب افتتاح الإجراء.

وباطلاع الدائرة إلى ما تقدم به طالب افتتاح الإجراء من بينات ومستندات وأوراق عبارة عن قائمة ديون حالة على (…) وليست على مقدم الطلب بصفته الشخصية وذلك لأن المعلومات والوثائق ذات العلاقة المرافقة لطلب افتتاح الإجراء لا تعكس الوضع المالي للمدين وعليه فتقدر المحكمة بافتتاح الإجراء أو رفضه، لأن مرفقات الطلب مختلطة مع ديون الشركة مع ديون مقدم الطلب لعد تحقق اشتراطات المادة أعلاه.

المبحث الثاني: الإشكالات العملية في التطبيق

  1. إثبات النشاط الربحي

مسألة إثبات النشاط الربحي من المسائل الجوهرية لتطبيق نظام الإفلاس، إذ يشترط أن يكون المدين ممن يمارس نشاطًا يهدف لتحقيق الربح، إلا إن هذا الإثبات قد يواجه صعوبات عملية لا سيما لو كان الفرد أو المنشآت لم تعتمد قوائم مالية دقيقة الأمر الذي يحد من إمكانية الاستفادة من إجراءات الإفلاس.

  • تعثر المنشآت الفردية

لما كان التاجر الذي يدير منشآته بشكل فردي تمامًا في الإدارة والتمويل، رغم خضوعه لإجراءات الإفلاس إلا إن الأصول التي تباع حمايةً للدائنين قد لا تستغرقها جميعها، فإن ذلك يعد إشكالية عملية تطول فيها الإجراءات النظامية.

الفصل السادس: التحديات النظامية والحلول المقترحة

المبحث الأول: التحديات التشريعية

  • غموض بعض المفاهيم النظامية

لا يخفى على العامة على أن النصوص النظامية بأصلها ذات ثقل في قيمتها وتفسيرها رغم أهميتها وإلا قد يصادف الفرد في السير أو الاستطراد بقراءة النصوص النظامية غموضًا واردًا فيها، التي لا يصبغ عليها صفة الوضوح إلا بسؤال ذوي الاختصاص في الموضوع لأن التطبيق الإجرائي للنصوص النظامية قد أكسبهم المعرفة التامة بالنص الغامض لا سيما في إجراءات الإفلاس، والأمر لا يقتصر على ذلك فقط، بل بالقراءة والعلم يتميز الممارس الفعلي عن غيره.

  • محدودية النصوص الخاصة بالأفراد

تعد النصوص الخاصة بالأفراد في نظام الإفلاس محدودة مقارنة بالأحكام المقررة للشركات، ويرجع ذلك لكثرة المسائل النظامية التي تعترض لها الشركات.

  • التداخل مع الأنظمة الأخرى

تنظم أحكام الإفلاس بالإضافة إلى نظامه الخاص به عدد من الأنظمة ألا وهي نظام الشركات ونظام التنفيذ وذلك قصرًا على المسائل التي تختص بالنظر فيها.

المبحث الثاني: التحديات العملية والقضائية

  • الثقافة المجتمعية تجاه الإفلاس

بنظرة القانون يعد الإفلاس وإجراءاته أحكام تنظم المسائل بين كل من المدين والدائن بما يحقق التوزان في حماية حقوقهما، إلا إن النظرة المجتمعية تأتي خلال ذلك وتعتبرها وصمة مالية ومع استحالة استمرار المدين أو دخوله في أنشطة تجارية أخرى.

  • ضعف الوعي بالإجراءات

إجراءات الإفلاس ذات تفاصيل دقيقة فـ ضعف الوعي بها وارد بشكل كبير، الأمر الذي يتطلب الحث على الاستزادة في البحوث أو إنشاء أدلة المستفيدين بشكل مختصر وواضح من قبل الجهات المختصة.

  • تحديات التنفيذ وإدارة الأصول

لا يخفى علينا أن التحديات العملية قد تواجه الأمين المعين من قبل المحكمة للبدء في إجراءات الطلب محل الإجراء من إجراءات الإفلاس، لا سيما عند ضعف الوعي لدى المدين والدائنين بشأن الإجراءات الإفلاس الأمر الذي ينتج عنه عدم تعاونهم مع المدين حتى يصل بهم الأمر في إلى النزاعات بأي أصول المدين مما يعيق إدارة المدين على المال محل الإجراء حتى انتهائه.

الخاتمة

وفي ختام هذه الدراسة نستنتج أن نظام الإفلاس السعودي يقوم على فلسفة متوازنة تهدف إلى تحقيق التوفيق بين مصالح كلٍ من المدين والدائن؛ إذ يمنح المدين فرصة حقيقية لمعالجة أوضاعه المالية والنهوض بمشروعه من خلال إجراءات متنوعة ومرنة تتلاءم مع وضعه المالي وطبيعة نشاطه، وفي المقابل يضمن للدائنين حماية حقوقهم وتمكينهم من استيفاء مطالباتهم وفق إطار نظامي منظم وعادل.

  • والذي توصلنا فيه إلى عدة نتائج نوردها على النحو الآتي:
  • تبنى المنظم العديد من المبادئ الأساسية ضمن نظام الإفلاس ومن ذلك مبدأ الشفافية الذي يتيح للدائنين الاطلاع ومتابعة حسن سير الخطة، بالإضافة إلى مبدأ الحيادية في الإجراءات حيث دمج المنظم الأمين الذي يعمل على تنفيذ الخطة التي صادقت عليها المحكمة للمدين وجميع ذلك يزيد من فعالية النظام في ضمان إعطاء الدائنين حقوقهم.
  • فعل المنظم دور المدين في نظام الإفلاس حيث أصبح بإمكانه طلب افتتاح الإجراء المناسب والاعتراض عليه وتقديم طلب إنهائه.
  • مبدأ أولوية الديون في النظام كفلت المحافظة على مصالح كافة الأطراف، فقدمت أصحاب الضمانات، وحقوق القائمين بالإجراء ومصاريفه، وذلك دون الإخلال بنفقة المدين وأسرته.
  • أبرز التوصيات
  • نشر الأحكام القضائية ذات الصلة الأمر الذي ساهم في معرفة التنفيذ العملي للنظام ولوائحه، وزيادة الفهم بشأنها.
  • الدعوة للاستزادة في الأبحاث والدراسات حول نظام الإفلاس ولائحته التنفيذية.
  • نوصي بإنشاء صناديق تمويلية من الجهات المعنية، وذلك وفق إجراءات متبعة تساهم في تمويل المدين المتعثر الذي لم يصل حاله لدرجة الإفلاس وهو ما من شأنه أن يؤثر إيجابًا على حقوق الدائنين في استيفاء حقوقهم.

قائمة المراجع والمصادر

  • نظام الإفلاس السعودي، الصادر بمرسوم ملكي رقم (م/50) وتاريخ 28/5/1439هـ.
  • اللائحة التنفيذية لنظام الإفلاس السعودي، الصادرة بقرار الوزراء رقم (622) وتاريخ 24/12/1439هـ.
  • القحطاني، سلطان. ” فوائد وفرائد في السوابق القضائية التجارية”. (2023م).
  • العربي، وليد. ” الوضعية القانونية للدائنين وفق نظام الإفلاس السعودي ولائحته التنفيذية”، مجلة كلية الدراسات الإسلامية والعربية بدمنهور، (٢٠٢٥م)، (١٠):٦٠٦-٦٢٤.
  • سعدة، عبد الله. (2020). ” فكرة الشخصية الاعتبارية”، كلية الحقوق، جامعة المنوفية.
  • حورية، بورنان. ” تحديد شروط اكتساب صفة التاجر في التشريع الجزائري”. مجلة المنتدى القانوني، (6): 8-14.
  • فقيهي، أحمد. ” ديون إجراء التصفية وأحكامها في نظام الإفلاس السعودي “، المجلة القانونية، جامعة الأمير سطام بن عبد العزيز، 2134-2143.

أكتب تعليقا

    اترك تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *