ما هي مدة التقادم في الدعاوى الجزائية؟

30 مارس, 2026
التقادم في الدعاوى الجزائية

تُعد مسألة التقادم في الدعاوى الجزائية من الموضوعات الجوهرية في الأنظمة الجنائية المقارنة، لما يترتب عليها من أثر مباشر في ملاحقة الجناة وتحقيق العدالة الجنائية. غير أن النظام السعودي يتميز بخصوصية شرعية ونظامية تجعله مختلفًا في معالجته لمسألة التقادم، إذ يستند أساسًا إلى أحكام الشريعة الإسلامية، ثم إلى الأنظمة الصادرة بما لا يتعارض معها.

ومن هنا تبرز أهمية هذا البحث في بيان ما إذا كانت الدعوى الجزائية تسقط بالتقادم في المملكة العربية السعودية، وما هو الإطار النظامي المنظم لذلك، مع بيان الفروق بين الحق العام والحق الخاص، وآثار انقضاء الدعوى، والحالات التي لا يسري فيها التقادم.

 مفهوم التقادم في الدعاوى الجزائية

  • المقصود بالتقادم في القضايا الجنائية:

مرور مدة زمنية محددة نظامًا دون اتخاذ إجراء قضائي، مما يترتب عليه سقوط الحق في تحريك الدعوى الجزائية أو تنفيذ العقوبة.

  • الفرق بين التقادم وسقوط الدعوى

الفرق بين التقادم وسقوط الدعوى، من الضروري قانوناً التفريق بين “السبب” و”الأثر”؛ فالتقادم في جوهره هو السبب المتمثل في مرور مدة زمنية محددة نظاماً دون أن يباشر صاحب الحق مطالبته. أما سقوط الدعوى، فهو الأثر القانوني أو النتيجة التي تمنع سماع الدعوى أمام القضاء في حال تمسك الخصم بها. فالتقادم لا يعدم الحق في ذاته، بل يمثل الأثر الإجرائي الذي يحول دون نظره قضائياً.

  • التقادم المانع من سماع الدعوى

يقصد بالتقادم المانع من سماع الدعوى امتناع المحكمة عن نظر الدعوى بعد مضي مدة طويلة على الواقعة، إذا كان من شأن هذا التأخير أن يؤدي إلى تعذر الإثبات أو ضعف الأدلة أو زوال المصلحة في نظرها. وهو لا يُعد تقادمًا نظاميًا محدد المدة بنص صريح، وإنما يقوم على اجتهاد قضائي وسلطة تقديرية تمارسها المحكمة، لا سيما في بعض القضايا التعزيرية، ويُعد هذا التقادم قيدًا إجرائيًا يمنع جهة التحقيق أو المحكمة من الاستمرار في نظر القضية متى تمسك به المتهم، أو رأت المحكمة إعماله لتعلقه بالنظام العام في شقه المرتبط بالحق العام. ويهدف إلى تحقيق العدالة واستقرار المراكز القانونية ومنع بقاء النزاعات معلّقة إلى أجل غير محدد.

تابع معنا: خطوات رفع دعوى قضائية

 التقادم في النظام السعودي – الإطار النظامي

يتميز النظام السعودي بمنهجية خاصة في التعامل مع عامل “الزمن” وأثره على الدعوى الجزائية؛ حيث يوازن بين مصلحة المجتمع في استقرار المراكز القانونية وبين مبادئ العدالة الشرعية التي تقضي بعدم ضياع الحقوق. 

  • التقادم في نظام الإجراءات الجزائية

حدد نظام الإجراءات الجزائية السعودي في الفصل الثاني أحكام انقضاء الدعوى الجزائية، حيث أوضح الحالات التي تنقضي فيها الدعوى سواء كانت دعوى عامة أو دعوى خاصة، وذلك على النحو التالي:

  1.  انقضاء الدعوى الجزائية العامة

تنقضي الدعوى الجزائية العامة بأحد الأسباب التالية:

  1. صدور حكم نهائي: أي حكم مكتسب للقطعية، لا يقبل الطعن.
  2. عفو ولي الأمر: فيما يدخل ضمن صلاحيات العفو المقررة نظامًا.
  3. التوبة الشرعية: في بعض الجرائم التي يسقط العقاب فيها بالتوبة وفق الضوابط الشرعية.
  4. وفاة المتهم: إذ تسقط الدعوى بموته، مع بقاء الحق الخاص للورثة.

ومع ذلك، نص النظام صراحة على أن انقضاء الدعوى العامة لا يمنع من الاستمرار في دعوى الحق الخاص إذا كان للمجني عليه أو ورثته حق خاص ناشئ عن الجريمة.

  1.  انقضاء الدعوى الجزائية الخاصة

أما الدعوى الجزائية الخاصة – وهي التي يرفعها المجني عليه أو من يقوم مقامه – فإنها تنقضي في حالتين:

  1. صدور حكم نهائي: شأنها شأن الدعوى العامة.
  2. عفو المجني عليه أو ورثته: إذ يترتب على العفو سقوط الدعوى الخاصة.

لكن المشرع نص على أن عفو المجني عليه أو ورثته لا يمنع من الاستمرار في دعوى الحق العام التي تتعلق بحق الدولة والمجتمع في معاقبة مرتكب الجريمة.

  • مدة التقادم في الحق العام

مدة التقادم في الحق العام تُقصد بها المدة الزمنية التي يحددها النظام لسماع الدعوى الجزائية المتعلقة بحق المجتمع، بحيث إذا انقضت هذه المدة دون اتخاذ إجراء نظامي صحيح، سقط حق الدولة في الاستمرار في نظر الدعوى أمام القضاء. ويستند هذا المبدأ إلى اعتبارات تحقيق العدالة، واستقرار الأوضاع القانونية، ومنع بقاء الأفراد تحت طائلة المساءلة إلى أجل غير محدد، ولا تُعد مدة التقادم قاعدة جامدة موحدة، بل تختلف بحسب التنظيم النظامي وطبيعة الواقعة محل المساءلة، كما قد تتأثر بإجراءات التحقيق أو المحاكمة التي من شأنها قطع سريان المدة أو وقفها وفق ما تقرره الأنظمة ذات الصلة، وانقضاء مدة التقادم في الحق العام لا يعني بالضرورة زوال الفعل أو محوه، وإنما يقتصر أثره على عدم سماع الدعوى الجزائية بعد مضي المدة المقررة، تحقيقًا للتوازن بين حق المجتمع في المساءلة وضمان الاستقرار القانوني.

  • النصوص النظامية المنظمة للتقادم 

ينظم نظام الإجراءات الجزائية السعودي انقضاء الدعوى الجنائية وأسباب سقوطها، ومن أبرز النصوص ذات الصلة بالتقادم في الحق العام المادة (٢٢) من النظام، التي تحدد حالات سقوط الدعوى الجزائية العامة، مثل صدور حكم نهائي، العفو الصادر من ولي الأمر، التوبة المتوافقة مع الضوابط الشرعية، أو وفاة المتهم، دون أن يتضمن نصًا صريحًا بمدة زمنية محددة لبداية سريان التقادم، مما يجعل القاعدة العملية في احتسابها مرتبطة بوقوع الجريمة أو استحقاق المتابعة وفق ما تقرره الأنظمة الخاصة بكل جريمة.

كما تنظم المادة (٢٣) من نظام الإجراءات الجزائية حالات سقوط الدعوى الجنائية الخاصة، مثل صدور حكم نهائي أو العفو الذي يصدر عن المجني عليه أو ورثته، دون أن يؤثر سقوطها على الدعوى العامة.

مدة التقادم في الدعاوى الجزائية في السعودية

  • الجرائم التي تسقط بالتقادم

 الجرائم التي تسقط بالتقادم في السعودية، هي:

  1. جميع قضايا الابتزاز الإلكتروني.
  1. قضايا السرقة بكل أنواعها.
  2. دعاوى الحق في إثبات وقوع التزوير بكل أشكاله.
  3. قضايا الإتجار وشرب الخمر.
  4. جريمة النصب والاحتيال أي ما كانت الطريقة المستخدمة فيها.
  • مدد التقادم بحسب نوع الجريمة

تختلف مدد التقادم في النظام الجزائي باختلاف نوع الجريمة وجسامتها، إذ يُراعى في تحديد المدة مدى خطورة الفعل وأثره على المجتمع؛ فكلما كانت الجريمة أشد خطورة، كانت مدة التقادم أطول، والعكس صحيح. وعليه، فإن الحق في رفع الدعوى الجنائية في الجنايات يسقط بمضي عشر سنوات على ارتكاب الجريمة، بينما تسقط الجنح بمرور ثلاث سنوات من تاريخ وقوعها، وتسقط المخالفات بمضي سنة واحدة فقط، ويبدأ احتساب مدة التقادم من تاريخ وقوع الفعل محل المساءلة ما لم ينص النظام على خلاف ذلك، كما قد تنقطع هذه المدة أو تتوقف باتخاذ إجراء من إجراءات التحقيق أو المحاكمة وفقًا للقواعد النظامية المقررة، أما فيما يتعلق بسقوط العقوبة بعد صدور الحكم، فإن الحق في تنفيذ العقوبة في الجنايات يسقط – بوجه عام – بمضي عشرين سنة من تاريخ صدور الحكم النهائي، باستثناء عقوبة الإعدام، إذ لا يسقط الحق في تنفيذها إلا بعد مرور ثلاثين سنة، نظرًا لجسامتها وخطورتها.

  • بدء سريان مدة التقادم

فيما يتعلق ببدء سريان مدة التقادم في الدعوى الجنائية في النظام السعودي، لا يوجد نص عام شامل في قانون الإجراءات الجزائية يحدّد تاريخ بداية السريان، لكن تطبيقًا لمبدأ القاعدة العامة في أحكام التقادم، يُحتسب التقادم عادةً من “تاريخ وقوع الفعل” الذي يُعد سبب نشوء الحق في تحريك الدعوى، ما لم ينص النظام على خلاف ذلك في حالات خاصة. وهذا ينسجم مع الفهم العام للتقادم القانوني الذي يربط سريانه بواقعة استحقاق الحق المطالب به أو وقوع الجريمة محل الدعوى، بحيث تبدأ المدة من هذا التاريخ، فالأساس العملي في تطبيق التقادم يرتكز على التاريخ الذي ينشأ فيه حق المتابعة القضائية بعد وقوع الجريمة أو استحقاقها، وفق ما تقرره الأنظمة الخاصة بكل جريمة.

التقادم في الحقوق المالية المرتبطة بالدعوى الجزائية

عند الحديث عن التقادم في القضايا الجزائية، من المهم التفريق بين ما يتعلق بالحق العام وما يرتبط بالحق الخاص، خاصة إذا كانت الدعوى تتضمن مطالبات مالية.

  • مدة التقادم في المطالبات المالية

الأصل في النظام السعودي أن سقوط الدعوى الجزائية لا يؤدي تلقائيًا إلى سقوط الحق المالي للمتضرر. فقد نصت المادة (٢٢) من نظام الإجراءات الجزائية على أن انقضاء الدعوى الجزائية العامة لا يمنع من استمرار دعوى الحق الخاص، مما يعني أنه حتى بعد مرور مدة التقادم على الدعوى الجزائية، يظل للمجني عليه الحق في المطالبة بالتعويض أو استرداد ماله أمام الجهة القضائية المختصة، ومع ذلك، فإن مدة التقادم بالنسبة للمطالبات المالية لا يُستمدّ من النظام الجزائي، وإنما من النظام الذي ينظم الالتزام المالي نفسه، بحسب طبيعة الحق ومصدره. فالمطالبة المالية قد تخضع للأنظمة المدنية أو التجارية أو نظام الأوراق التجارية، حسب الحالة.

  • الفرق بين الحق العام والحق الخاص
  • الحق العام هو حق الدولة في معاقبة الجاني حمايةً للمجتمع، وتمثله النيابة العامة. وقد يسقط هذا الحق في حالات معينة نص عليها النظام، مثل صدور حكم نهائي، أو العفو، أو وفاة المتهم. وقد بينت المادة (٢٢) من نظام الإجراءات الجزائية أسباب انقضاء الدعوى الجزائية العامة، مؤكدة في الوقت نفسه أن انقضاء الدعوى الجزائية العامة لا يمنع من استمرار دعوى الحق الخاص.
  • الحق الخاص هو حق المجني عليه في المطالبة بحقه الشخصي، كالتعويض عن الضرر أو استرداد المال. كما نظمت المادة (23) من النظام ذاته حالات سقوط الدعوى الجزائية الخاصة، كصدور حكم نهائي أو العفو الصادر من المجني عليه أو ورثته، دون أن يؤثر ذلك على استمرار الدعوى العامة. 

وبالتالي، فإن للمتضرر مركزًا نظاميًا مستقلًا يخولّه المطالبة بحقه، سواء بالتبعية للدعوى الجزائية أو بشكل مستقل وفقًا للأنظمة ذات العلاقة.

  • هل الحقوق المالية تسقط بالتقادم؟

القاعدة العامة أن الحق لا يسقط لمجرد مرور الزمن، لكن من الناحية النظامية قد تسقط بعض الدعاوى المالية إذا لم يُطالب بها خلال المدة المحددة في الأنظمة ذات العلاقة. أما في نطاق الدعوى الجزائية، فإن سقوط الحق العام لا يؤدي تلقائيًا إلى سقوط الحق الخاص، بل يظل من حق المتضرر اللجوء إلى القضاء للمطالبة بحقه، ما لم يكن قد انقضى وفقًا لنظام آخر يحكم ذلك النوع من الحقوق.

حالات لا يسري فيها التقادم جزائيًا

الأصل في التقادم الجزائي أنه يؤدي إلى انقضاء الدعوى الجزائية بعد مرور مدة زمنية معينة يحددها النظام، وذلك تحقيقًا للاستقرار القانوني، ومنع بقاء التهديد بالملاحقة الجنائية إلى أجل غير محدد. ومع ذلك، فإن هذا الأصل لا يطبق على جميع الجرائم، إذ توجد حالات استثنائية لا يسري فيها التقادم الجزائي، نظرًا لخطورة بعض الجرائم أو لطبيعتها الخاصة أو لارتباطها بحقوق الأفراد. ومن أبرز هذه الحالات ما يأتي:

  • الجرائم الكبيرة

الجرائم الكبيرة هي الجرائم التي تتميز بخطورة بالغة وتمس أمن المجتمع أو سلامته أو استقراره بشكل مباشر. وبسبب جسامة هذه الجرائم وآثارها الخطيرة، فإن المصلحة العامة تقتضي عدم السماح بسقوط الدعوى الجزائية فيها بالتقادم. فالمجتمع يحرص على ملاحقة مرتكبي هذه الجرائم مهما طال الزمن، وذلك لتحقيق العدالة وردع الجناة ومنع إفلاتهم من العقاب، وتشمل الجرائم الكبيرة عادةً الجرائم التي تتضمن اعتداءً جسيمًا على النفس أو المال أو الأمن العام، مثل جرائم القتل العمد، والجرائم الإرهابية، وبعض جرائم الفساد الخطيرة. ويرجع السبب في استثناء هذه الجرائم من التقادم إلى أن خطورتها لا تزول بمرور الزمن، كما أن آثارها الاجتماعية والإنسانية قد تبقى قائمة لفترات طويلة. لذلك يرى المنظم أن بقاء إمكانية الملاحقة الجزائية فيها يحقق العدالة ويحافظ على ثقة المجتمع في النظام القانوني. 

  • الجرائم المستمرة

الجرائم المستمرة هي الجرائم التي يستمر فيها الفعل الجرمي أو الحالة غير المشروعة فترة من الزمن بفعل إرادة الجاني. وفي هذا النوع من الجرائم لا ينتهي السلوك الإجرامي بمجرد وقوع الفعل، بل يستمر حدوثه أو آثاره بشكل متواصل، ومن أمثلة الجرائم المستمرة: حجز شخص دون وجه حق، أو إخفاء شخص مختطف، أو الاستمرار في احتلال عقار مملوك للغير بالقوة. ففي هذه الحالات تبقى الجريمة قائمة طالما استمرت الحالة غير المشروعة، ولهذا السبب لا يبدأ حساب مدة التقادم في الجرائم المستمرة إلا من تاريخ انتهاء الحالة الإجرامية وزوال الفعل غير المشروع. فطالما أن الجريمة لا تزال قائمة، فإن الدعوى الجزائية تبقى قائمة كذلك، ولا يمكن القول بانقضائها بالتقادم. ويهدف هذا الحكم إلى منع الجاني من الاستفادة من استمرار الجريمة لفترة طويلة حتى تسقط بالتقادم.

  • الجرائم المرتبطة بالحق الخاص القائم

قد ترتبط بعض الجرائم بحقوق خاصة للأفراد، مثل الحقوق المالية أو الحقوق الشخصية التي لم يتم الفصل فيها أو التي لا تزال قائمة. وفي هذه الحالة فإن الدعوى الجزائية قد تظل قائمة ما دام الحق الخاص لم يسقط أو لم يتم التنازل عنه أو الفصل فيه نهائيًا، ويرجع ذلك إلى أن الجريمة في هذه الحالات لا تمس فقط المصلحة العامة، بل تمس كذلك مصلحة فردية خاصة للمجني عليه. ومن غير العدل أن يؤدي مرور الزمن إلى سقوط الدعوى الجزائية بينما لا يزال صاحب الحق الخاص يطالب بحقه أو لم يحصل على تعويض عن الضرر الذي لحق به، لذلك يحرص النظام على حماية حقوق الأفراد من الضياع بسبب التقادم، فيسمح باستمرار النظر في الدعوى الجزائية المرتبطة بالحق الخاص القائم إلى أن يتم حسم هذا الحق أو إسقاطه وفق الإجراءات النظامية.

آثار سقوط الدعوى الجزائية بالتقادم

يترتب على سقوط الدعوى الجزائية بالتقادم عدة آثار قانونية مهمة تمس الملاحقة الجزائية وحقوق المجني عليه، وكذلك السجل الجنائي للمتهم. ومن أهم هذه الآثار ما يأتي:

  • أثر التقادم على الملاحقة الجزائية

يترتب على سقوط الدعوى الجزائية بالتقادم انتهاء حق الدولة في ملاحقة المتهم جزائيًا عن الجريمة المرتكبة. فبعد انقضاء المدة المحددة للتقادم دون اتخاذ إجراءات قانونية صحيحة، لا يجوز للجهات المختصة تحريك الدعوى الجزائية أو الاستمرار في إجراءات التحقيق أو المحاكمة، ويعد ذلك بمثابة انقضاء للدعوى وسقوطها نظامًا، وقد أشار النظام إلى هذا الأثر، حيث نص على أنه: “إذا انقضت الدعوى وفق المادة (22)، فلا يجوز إعادة نظرها إلا وفق طرق الاعتراض النظامية.” ويعني ذلك أنه متى تقرر انقضاء الدعوى الجزائية وفق أحكام التقادم، فلا يمكن إعادة فتحها أو نظرها مرة أخرى إلا في الحدود التي يجيزها النظام من خلال طرق الاعتراض المقررة نظامًا، ويترتب على ذلك أن المتهم لا يمكن محاكمته عن هذه الجريمة بعد تحقق التقادم، حتى لو ظهرت أدلة ضده لاحقًا، لأن مرور الزمن دون اتخاذ الإجراءات النظامية يعد سببًا كافيًا لإنهاء الدعوى. ويهدف هذا الحكم إلى تحقيق الاستقرار القانوني ومنع بقاء الأفراد مهددين بالملاحقة الجزائية لفترات طويلة دون حسم.

  • أثر التقادم على التعويض المدني

على الرغم من أن التقادم يؤدي إلى سقوط الدعوى الجزائية وانقضاء حق الدولة في ملاحقة المتهم جنائيًا، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة سقوط حق المجني عليه في المطالبة بالتعويض المدني عن الضرر الذي لحق به. فحق التعويض يعد حقًا مستقلًا عن الدعوى الجزائية، ويجوز للمتضرر المطالبة به أمام القضاء المدني حتى لو سقطت الدعوى الجزائية، وذلك وفق الضوابط التي يحددها النظام، وقد نظم نظام المعاملات المدنية في المملكة العربية السعودية مدة التقادم المتعلقة بدعوى التعويض عن الفعل الضار، حيث نص على أنه لا تُسمع دعوى التعويض الناشئة عن الفعل الضار بعد مرور ثلاث سنوات من تاريخ علم المتضرر بوقوع الضرر وبالشخص المسؤول عنه. كما نص النظام كذلك على أنه في جميع الأحوال لا تُسمع الدعوى بعد مرور عشر سنوات من تاريخ وقوع الضرر، إلا أن النظام وضع استثناءً في الحالات التي يكون فيها التعويض ناشئًا عن جريمة، إذ نص على أنه إذا كانت دعوى التعويض ناشئة عن جريمة، فإنه لا يمتنع سماعها ما دامت الدعوى الجزائية نفسها ما زال يجوز سماعها ولم تسقط بالتقادم. ويهدف هذا الحكم إلى حماية حق المتضرر ومنحه فرصة المطالبة بالتعويض طالما أن الجريمة ما زالت محل ملاحقة جزائية، وبذلك يتضح أن دعوى التعويض المدني تخضع لمدد تقادم محددة، إلا أن النظام يراعي في بعض الحالات ارتباطها بالدعوى الجزائية، مما يضمن تحقيق التوازن بين استقرار المعاملات القانونية وحماية حقوق المتضررين.

  • أثر التقادم على صحيفة السوابق

عند سقوط الدعوى الجزائية بالتقادم دون صدور حكم بالإدانة، فإن ذلك يعني أن المتهم لم تثبت إدانته قضائيًا. وبالتالي لا يترتب على ذلك تسجيل الجريمة في صحيفة السوابق الجنائية للمتهم، لأن صحيفة السوابق تعتمد أساسًا على الأحكام القضائية النهائية التي تثبت ارتكاب الجريمة، وبناءً على ذلك، فإن الشخص الذي سقطت الدعوى الجزائية بحقه بسبب التقادم لا يعد محكومًا عليه، ولا تسجل بحقه سابقة جنائية، مما يجنبه الآثار السلبية التي قد تترتب على وجود حكم جزائي في سجله.

أسئلة شائعة

هل تسقط جميع الجرائم بالتقادم في السعودية؟

لا تسقط جميع الجرائم بالتقادم في المملكة العربية السعودية. ويعود ذلك إلى طبيعة النظام القانوني السعودي المستند إلى أحكام الشريعة الإسلامية، التي تقوم على مبدأ حماية الحقوق وعدم إهدارها بمرور الزمن في بعض الحالات، ففي الجرائم الحدية والقصاص – مثل القتل العمد والجرائم التي تتعلق بالحدود الشرعية – لا يسري التقادم غالبًا، لأن هذه الجرائم ترتبط بحقوق شرعية ثابتة لا تزول بمرور الزمن. كما أن بعض الجرائم الخطيرة التي تمس أمن المجتمع أو سلامته قد لا يطبق عليها التقادم أو قد تطبق عليها مدد طويلة نسبيًا، نظرًا لخطورتها وآثارها الاجتماعية، أما في الجرائم التعزيرية، وهي الجرائم التي يحدد عقوبتها ولي الأمر أو الأنظمة الجزائية المختلفة، فقد يطبق فيها التقادم أو ما يسمى في الفقه القضائي بـ التقادم المانع من سماع الدعوى، وذلك بناءً على تقدير المحكمة وظروف القضية.

ما المدة الزمنية لسقوط الدعوى الجزائية بالحق العام؟

الأصل في النظام السعودي أنه لا يوجد نص عام موحد يحدد مدة محددة لسقوط الدعوى الجزائية بالتقادم في جميع الجرائم. فقد نظم نظام الإجراءات الجزائية السعودي أسباب انقضاء الدعوى الجزائية العامة دون تحديد مدد زمنية عامة، لكن في التطبيق العملي والقضائي، قد تختلف المدة بحسب طبيعة الجريمة والنظام الذي ينظمها. ففي بعض الأنظمة الخاصة قد تحدد مدد معينة لسماع الدعوى أو اتخاذ الإجراءات النظامية، كما قد تأخذ الجهات القضائية بمبدأ التقادم المانع من سماع الدعوى في بعض القضايا التعزيرية إذا طال الزمن بشكل كبير وأدى إلى ضعف الأدلة أو تعذر الإثبات، لذلك يمكن القول إن مسألة التقادم في الحق العام في النظام السعودي تخضع في كثير من الحالات لتقدير القضاء والأنظمة الخاصة بكل جريمة.

متى تسقط الدعوى الجزائية؟

تنقضي الدعوى الجزائية في النظام السعودي في الحالات التي نص عليها نظام الإجراءات الجزائية السعودي، ومن أبرزها:

  1. صدور حكم نهائي مكتسب للقطعية.
  2. صدور عفو من ولي الأمر فيما يدخل ضمن صلاحيات العفو.
  3. التوبة في الجرائم التي يسقط العقاب فيها بالتوبة وفق الضوابط الشرعية.
  4. وفاة المتهم.

كما قد تنقضي الدعوى في بعض الحالات العملية بسبب مرور زمن طويل دون اتخاذ إجراءات نظامية، إذا رأت المحكمة أن الدعوى أصبحت غير قابلة للسماع نتيجة التقادم المانع من سماع الدعوى.

ما مضمون المادة ١٠٧ من نظام الإجراءات الجزائية؟

تنظم المادة (107) من نظام الإجراءات الجزائية السعودي الحالات التي يجوز فيها للمحقق إصدار أمر بالقبض على المتهم وإحضاره. فقد نصت المادة على أنه إذا لم يحضر المتهم بعد تكليفه بالحضور رسميًا دون عذر مقبول، أو إذا وجدت خشية من هروبه، أو كانت الجريمة في حالة تلبس، فإنه يجوز للمحقق إصدار أمر بالقبض عليه وإحضاره. كما أجاز النظام إصدار هذا الأمر، حتى لو كانت الواقعة من الجرائم التي لا يجيز النظام فيها توقيف المتهم احتياطيًا، ويُفهم من ذلك أن الغاية من هذا الإجراء هي تمكين جهة التحقيق من ضمان حضور المتهم أمامها لاستكمال إجراءات التحقيق، ومنع تعطيل سير العدالة أو إفلات المتهم من المساءلة بسبب عدم حضوره أو احتمال هروبه.

ما مضمون المادة ١٦ من نظام الإجراءات الجزائية؟

تنص المادة (١٦) من نظام الإجراءات الجزائية السعودي على حق المجني عليه أو من ينوب عنه في رفع الدعوى الجزائية في القضايا التي يتعلق بها حق خاص، كما يمتد هذا الحق إلى ورثة المجني عليه بعد وفاته. ويجوز للمجني عليه مباشرة هذه الدعوى أمام المحكمة المختصة للمطالبة بحقه الخاص الناتج عن الجريمة، كما أوجبت المادة على المحكمة، في حال رفع الدعوى من قبل المجني عليه، إبلاغ المدعي العام بالحضور، وذلك لتمكينه من مباشرة ما يتعلق بالحق العام المرتبط بالجريمة. ويعكس هذا التنظيم حرص النظام على حماية حقوق المجني عليهم، وفي الوقت ذاته ضمان حضور جهة الادعاء العام لمباشرة ما يتعلق بحق المجتمع في ملاحقة الجريمة.

الخاتمة

يتضح من خلال هذا البحث أن مسألة التقادم في الدعاوى الجزائية في المملكة العربية السعودية تتميز بخصوصية نظامية مستمدة من أحكام الشريعة الإسلامية، التي تشكل الأساس التشريعي للأنظمة القضائية في المملكة. فالنظام السعودي لا يعتمد مفهوم التقادم بمعناه التقليدي المعروف في بعض الأنظمة القانونية المقارنة، وإنما ينظم مسألة انقضاء الدعوى الجزائية من خلال أسباب محددة نص عليها النظام، مثل صدور الحكم النهائي، أو العفو، أو التوبة في بعض الجرائم، أو وفاة المتهم، كما تبين أن التمييز بين الحق العام والحق الخاص يمثل عنصرًا أساسيًا في فهم آثار انقضاء الدعوى الجزائية، حيث إن سقوط الدعوى الجزائية العامة لا يمنع بالضرورة من استمرار المطالبة بالحق الخاص، خاصة إذا كان للمجني عليه حق مالي أو تعويض ناشئ عن الجريمة، وقد أظهر البحث كذلك أن بعض الجرائم لا يسري فيها التقادم نظرًا لجسامتها أو لارتباطها بحقوق شرعية ثابتة، مثل جرائم الحدود والقصاص وبعض الجرائم الخطيرة التي تمس أمن المجتمع. وفي المقابل، قد يطبق القضاء في بعض القضايا التعزيرية مبدأ التقادم المانع من سماع الدعوى عندما يؤدي مرور الزمن إلى تعذر الإثبات أو ضعف الأدلة، ومن خلال ذلك يتضح أن النظام السعودي يسعى إلى تحقيق توازن بين تحقيق العدالة الجنائية وملاحقة الجناة من جهة، وتحقيق الاستقرار القانوني ومنع بقاء النزاعات دون حسم لفترات طويلة من جهة أخرى، بما ينسجم مع مبادئ الشريعة الإسلامية ومقاصدها في حفظ الحقوق وتحقيق العدالة.

المراجع والمصادر:

  • هيئة الخبراء بمجلس الوزراء/ نظام الإجراءات الجزائية.
  • هيئة الخبراء بمجلس الوزراء/ نظام المعاملات المدنية.
  • جمعية قضاء/ الجمعية العلمية القضائية السعودية.
  • النيابة العامة السعودية/الأدلة الإجرائية في نظام الإجراءات الجزائية.
  •   الجريدة الرسمية (أم القرى) / النصوص النظامية المنشورة رسميًا.

أكتب تعليقا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *