الآثار النظامية للإفلاس على العقود المستمرة في النظام السعودي
المقدمة
يعد نظام الإفلاس في المملكة العربية السعودية من الأنظمة الحديثة التي تهدف إلى تحقيق التوازن بين حماية حقوق الدائنين وتمكين المدين من معالجة أوضاعه المالية، مع المحافظة على استمرارية النشاط الاقتصادي متى كان ذلك ممكنا، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية المملكة (2030) في تعزيز البيئة الاستثمارية وتحقيق الاستقرار في المعاملات التجارية. ومن أبرز المسائل التي نظمها النظام ما يتعلق بالعقود المستمرة، لما يترتب على افتتاح إجراءات الإفلاس من آثار تمتد إلى العلاقات التعاقدية القائمة، وتثير تساؤلات حول مصير هذه العقود، وإمكانية استمرارها أو إنهائها، وسلطة أمين الإفلاس في إدارتها، والضمانات المقررة للطرف المتعاقد مع المدين. وتبرز أهمية هذا البحث في بيان الأحكام النظامية التي تحكم العقود المستمرة أثناء إجراءات الإفلاس، وتحليل مدى نجاح المنظم السعودي في تحقيق التوازن بين حماية مصالح الدائنين، والمحافظة على النشاط الاقتصادي، وصون حقوق المتعاقدين مع المدين. وتتمثل إشكالية البحث في بيان الآثار النظامية المترتبة على افتتاح إجراءات الإفلاس بالنسبة للعقود المستمرة، ومدى كفاية التنظيم النظامي في معالجة ما ينشأ عنها من آثار عملية وقانونية. ويهدف البحث إلى توضيح الإطار النظامي للإفلاس والعقود المستمرة، وتحليل الأحكام المنظمة لاستمرار هذه العقود أو إنهائها، وبيان سلطة أمين الإفلاس والضمانات المقررة للأطراف المتعاقدة، مع استعراض أبرز الآثار النظامية والتحديات العملية المرتبطة بها. واعتمد البحث على المنهج التحليلي، وذلك من خلال دراسة نصوص نظام الإفلاس السعودي ولائحته التنفيذية وما يرتبط بها من أحكام نظامية، وتحليلها لاستخلاص الأحكام المنظمة للعقود المستمرة وبيان آثارها النظامية أثناء إجراءات الإفلاس.
المبحث الأول: الإطار النظامي للإفلاس والعقود المستمرة
يشكل تنظيم الإفلاس أحد الركائز الأساسية التي تقوم عليها البيئة التجارية الحديثة؛ إذ لم يعد الإفلاس ينظر إليه بوصفه وسيلة لتصفية أموال المدين فحسب، وإنما أصبح نظاماً قانونياً يهدف إلى إعادة تنظيم أوضاعه المالية متى كان ذلك ممكناً، وتحقيق التوازن بين مصالح المدين والدائنين والمحافظة على استمرارية النشاط الاقتصادي. ويترتب على افتتاح إجراءات الإفلاس آثار نظامية تمس العلاقات القانونية القائمة، ولا سيما العقود المستمرة التي يمتد تنفيذها خلال فترة زمنية، الأمر الذي يقتضي بيان مفهوم الإفلاس وأهدافه، ثم توضيح المقصود بالعقود المستمرة وطبيعتها القانونية، وأخيراً بيان الأساس النظامي الذي اعتمد عليه المنظم السعودي في تنظيم هذه العقود أثناء إجراءات الإفلاس.
- المطلب الأول: مفهوم الإفلاس وأهدافه في النظام السعودي
صدر نظام الإفلاس السعودي بموجب المرسوم الملكي رقم (م/50) بتاريخ 1439/5/28هـ، ليضع إطاراً نظامياً متكاملاً لمعالجة تعثر المدين، بما يحقق التوازن بين مصالح جميع الأطراف المرتبطة بالإجراء، ويعزز الثقة في البيئة الاستثمارية والتجارية داخل المملكة. وقد انتقل المنظم السعودي من المفهوم التقليدي للإفلاس – الذي يقتصر على تصفية أموال المدين – إلى مفهوم أكثر شمولاً يهدف إلى المحافظة على الأنشطة الاقتصادية القابلة للاستمرار، وتمكين المدين من إعادة تنظيم أوضاعه المالية متى كان ذلك ممكناً.
وقد فرق المنظم في المادة (الأولى) من اللائحة التنفيذية لنظام الإفلاس بين حالتي الاضطراب المالي للمدين:
• المتعثر: مدين توقف عن سداد دين مطالب به في موعد استحقاقه.
• المفلس: مدين استغرقت ديونه جميع أصوله.
وقد بينت المادة (الخامسة) من اللائحة التنفيذية لنظام الإفلاس أهداف النظام نصاً بقولها:
يهدف النظام إلى الآتي:
- تمكين المدين المفلس أو المتعثر أو الذي يتوقع أن يعاني من اضطراب أوضاعه المالية من الاستفادة من إجراءات الإفلاس، لتنظيم أوضاعه المالية وللمعاودة نشاطه والإسهام في دعم الاقتصاد وتنمية الأنشطة الاقتصادية.
- مراعاة حقوق الدائنين على نحو عادل وضمان المعاملة العادلة لهم.
- تعظيم قيمة أصول التفليسة والبيع المنتظم لها وضمان التوزيع العادل لحصيلته على الدائنين عند التصفية.
- خفض تكلفة الإجراءات ومددها وزيادة فعاليتها وبخاصة في إعادة ترتيب أوضاع المدين الصغير أو بيع أصول التفليسة وتوزيعها على الدائنين على نحو عادل خلال مدة محددة.
- التصفية الإدارية للمدين الذي لا يتوقع أن ينتج عن بيع أصوله حصيلة تكفي للوفاء بمصروفات إجراء التصفية أو التصفية لصغار المدينين.
ويتضح من هذا النص أن المنظم لم يجعل مصلحة الدائنين وحدها محل الحماية، وإنما سعى إلى تحقيق توازن بين استمرار النشاط الاقتصادي، وحماية حقوق الدائنين وزيادة قيمة أصول المدين، بما يحقق العدالة الاقتصادية ويحد من الآثار السلبية للإفلاس على النشاط التجاري. كما يتضح أن النظام يقوم على مبدأ “استمرار المنشأة” كلما كان ذلك ممكناً؛ إذ إن إنهاء النشاط أو تصفيته لا يكون إلا إذا ثبت استحالة إعادة تنظيمه، وهو ما يعكس تطور السياسة التشريعية السعودية واتساقها مع أفضل الممارسات الدولية.
- المطلب الثاني: مفهوم العقود المستمرة وطبيعتها القانونية
العقد المستمر أو عقد المدة هو العقد الذي لا تتحقق آثاره بمجرد إبرامه، وإنما يستمر تنفيذ الالتزامات الناشئة عنه خلال مدة زمنية معينة، بحيث يكون عنصر الزمن جزءاً جوهرياً من محل الالتزام، ويترتب على مرور الوقت استمرار الحقوق والالتزامات المتبادلة بين طرفيه. وتتميز العقود المستمرة بأنها تقوم على التنفيذ الدوري أو المتجدد، فلا ينتهي العقد بمجرد تنفيذ التزام واحد، وإنما يستمر طوال المدة المتفق عليها. ومن أبرز أمثلتها عقود الإيجار، وعقود التوريد، وعقود الخدمات، وعقود الصيانة، وعقود الامتياز التجاري، وعقود التشغيل والإدارة.
وتختلف العقود المستمرة عن العقود الفورية؛ إذ تنقضي الأخيرة بمجرد تنفيذ الالتزامات الأساسية، كعقد البيع الفوري الذي يترتب عليه انتقال الملكية وتسليم المبيع وسداد الثمن فوراً، بينما تبقى العقود المستمرة قائمة طوال مدة تنفيذها، مما يجعلها أكثر عرضة للتأثر عند افتتاح إجراءات الإفلاس. وقد أصل نظام المعاملات المدنية القواعد العامة الناظمة للعقود، حيث أكد مبدأ القوة الملزمة للعقد ووجوب تنفيذه بحسن نية، وذلك وفقاً لما نصت عليه المادة (95) من نظام المعاملات المدنية:
- “العقد شريعة المتعاقدين، فلا يجوز نقضه ولا تعديله إلا باتفاق المتعاقدين، أو بمقتضى نص نظامي”.
- “يجب تنفيذ العقد طبقاً لما اشتمل عليه وبطريقة تتفق مع ما يقتضيه حسن النية”.
كما راعى نظام المعاملات المدنية الطبيعة الخاصة للعقود المستمرة (عقود المدة) عند الفسخ أو الانقضاء، فنصت المادة (112) على أنه:
“إذا فسخ العقد المستمر التنفيذ فلا يكون للفسخ أثر رجعي، ويقتصر أثره على انقضاء العقد من تاريخ الفسخ…”
وهو ما ينعكس على العقود المستمرة التي تظل قائمة ومنتجة لآثارها ما لم يوجد سبب نظامي يبرر تعديلها أو إنهاءها. ولذلك، فإن مجرد افتتاح إجراءات الإفلاس لا يؤدي بذاته إلى انقضاء العقود المستمرة أو إبطالها، وهو ما أكده نظام الإفلاس صراحة في المادة (23) بقولها:
“دون الإخلال بأحكام الفصل الرابع عشر من النظام، لا يرتب قيد طلب افتتاح إجراء التسوية الوقائية أو افتتاحه أثراً في أي عقد يكون المدين طرفاً فيه، ويعد باطلاً كل شرط بخلاف ذلك.”
كما أكدت المادة (1/24) استمرار سريان العقد وتطبيقه بقولها:
“تعد العقود التي يكون المدين طرفاً فيها قائمة بصرف النظر عن افتتاح إجراء التسوية الوقائية، ويلتزم المتعاقد مع المدين بتنفيذ التزاماته التعاقدية بعد افتتاح الإجراء…”
وبناء على هذه النصوص النظامية، يخضع استمرار العقود المستمرة أو إنهاؤها أثناء الإفلاس للأحكام والضوابط الخاصة التي قررها نظام الإفلاس، تحقيقاً للتوازن بين مصلحة التفليسة ومصلحة الطرف المتعاقد.
- المطلب الثالث: الأساس النظامي لتنظيم العقود المستمرة في نظام الإفلاس
حرص المنظم السعودي على تنظيم أثر إجراءات الإفلاس في العقود المستمرة من خلال نصوص صريحة ومباشرة في نظام الإفلاس (المواد من 22 إلى 26)، والتي جعلت الأصل هو استمرار العقود متى كان استمرارها يحقق مصلحة التفليسة ولا يضر بحقوق الدائنين ضارة بالغة، مع منح صلاحيات نظامية وضوابط محددة لإدارتها أو إنهائها.
وتتصل الأحكام النظامية للعقود بالنصوص التالية في النظام:
- مبدأ بقاء العقود وعدم حلول الأجل بمجرد الافتتاح:
نصت المادة (22) على أنه:
“دون الإخلال بأحكام الفصل الرابع عشر من النظام، لا يترتب على قيد طلب افتتاح إجراء التسوية الوقائية أو افتتاحه حلول أجال الديون أو استحقاق الثمن في العقود التي لم يحل أجل سدادها، ويعد باطلاً كل شرط بخلاف ذلك.”
ونصت المادة (23) على أنه:
“دون الإخلال بأحكام الفصل الرابع عشر من النظام، لا يرتب قيد طلب افتتاح إجراء التسوية الوقائية أو افتتاحه أثراً في أي عقد يكون المدين طرفاً فيه، ويعد باطلاً كل شرط بخلاف ذلك.”
- التزامات الأطراف واستمرار تنفيذ العقود:
نصت المادة (24) على الآتي:
- “تعد العقود التي يكون المدين طرفاً فيها قائمة بصرف النظر عن افتتاح إجراء التسوية الوقائية، ويلتزم المتعاقد مع المدين بتنفيذ التزاماته التعاقدية بعد افتتاح الإجراء مقابل تنفيذ المدين لالتزاماته التي نشأت بعد افتتاح الإجراء، وتدرج في قائمة المطالبات التزامات المدين التعاقدية التي نشأت قبل افتتاح الإجراء ولم يف المدين بها.
- إذا لم يف المدين بعد افتتاح الإجراء بالتزاماته الناشئة عن العمل بالعقود التي يكون طرفاً فيها بموجب الفقرة (1) من هذه المادة، فللمحكمة بناء على طلب المتعاقد – إنهاء العقد وإبراء المتعاقد من التزاماته التعاقدية دون الإخلال بحقوقه.
- يلتزم المدين ببذل العناية الواجبة لضمان الوفاء بالتزاماته التعاقدية التي تنشأ بعد افتتاح الإجراء بما في ذلك الوفاء الحال أو ما يقوم مقامه من الضمانات التي تضمن حق المتعاقد عند تنفيذه لالتزاماته وفقاً لما تحدده اللائحة.
- على المدين تنفيذ التزاماته التي نشأت بعد افتتاح الإجراء في آجالها ما لم يتفق مع الطرف الآخر على غير ذلك.
- سلطة المحكمة في إنهاء العقود المستمرة:
نصت المادة (25) على ضوابط إنهاء العقود الاستثنائية بقولها:
- للمحكمة بناءً على طلب المدين في جلسة يبلغ بها المتعاقد إنهاء أي عقد يكون المدين طرفاً فيه إذا كان الإنهاء ضرورياً لحماية نشاطه، وكانت فيه مصلحة لأغلبية الدائنين على ألا يترتب على الإنهاء ضرر بالغ على المتعاقد، ويجب تبليغ المتعاقد بقرار المحكمة إذا لم يحضر الجلسة، وتحدد اللائحة ضوابط ذلك.
- استثناء من الفقرة (1) من هذه المادة، لا يجوز إنهاء أي من عقود الضمانات بما في ذلك عقد الرهن إلا وفقاً لأحكام النظام أو الأنظمة ذات العلاقة.
4. الاستثناءات النظامية من أحكام العقود:
أوردت المادة (26) استثناءات خاصة لحماية بعض القطاعات الحيوية ونصت على:
- يستثنى من أحكام المواد من (22) إلى (25) من النظام عقود المنافسات والمشتريات الحكومية التي تبرمها الجهات الحكومية مع المدين.
- يستثنى من أحكام المواد من (23) إلى (25) من النظام عقود التمويل التي تبرمها الشركات المصرفية أو شركات التمويل مع المدين.
المبحث الثاني: إدارة العقود المستمرة خلال إجراءات الإفلاس
تعد إدارة العقود المستمرة من أهم الموضوعات التي نظمها نظام الإفلاس السعودي؛ إذ إن افتتاح أي من إجراءات الإفلاس لا يقتصر أثره على المركز المالي للمدين، وإنما يمتد إلى العقود التي لا تزال قائمة وقت افتتاح الإجراء ولم يكتمل تنفيذها. ولما كانت هذه العقود تمثل في كثير من الأحيان عنصراً أساسياً في استمرار النشاط الاقتصادي للمدين، فقد حرص المنظم السعودي على وضع تنظيم قانوني يحقق التوازن بين تمكين المدين من معالجة اضطرابه المالي والمحافظة على نشاطه الاقتصادي متى كان ذلك ممكنا، وبين حماية حقوق الدائنين والمتعاقدين معه، ويستند هذا التنظيم إلى الأهداف التي نصت عليها المادة (5) من نظام الإفلاس، والتي تقضي بتمكين المدين من الاستفادة من إجراءات الإفلاس، وإعادة تنظيم أوضاعه المالية واستئناف نشاطه، ومراعاة حقوق الدائنين ومعاملتهم بعدالة، وتعظيم قيمة أصول التفليسة إذا تعذر استمرار النشاط. ويتضح من ذلك أن المنظم السعودي لم يجعل تصفية أموال المدين هي الغاية الأساسية من النظام، وإنما جعل المحافظة على المنشآت القابلة للاستمرار وتحقيق التوازن بين أطراف العلاقة القانونية هدفاً رئيساً، وهو ما انعكس بصورة واضحة على الأحكام المنظمة للعقود المستمرة.
- المطلب الأول: أثر افتتاح إجراءات الإفلاس على التزامات أطراف العقد
يترتب على افتتاح إجراءات الإفلاس آثار نظامية مباشرة تمس العقود المستمرة التي يكون المدين طرفا فيها، إلا أن المنظم السعودي لم يعتبر افتتاح الإجراء سببا لانفساخ هذه العقود أو إنهائها تلقائيا، بل جعل الأصل هو استمرارها متى كان ذلك يحقق مصلحة إجراءات الإفلاس. ويعود ذلك إلى أن إنهاء جميع العقود بمجرد افتتاح الإجراء قد يؤدي إلى توقف النشاط التجاري، وانخفاض قيمة أصول المنشأة، والإضرار بحقوق الدائنين، وهو ما يتعارض مع الغاية التي قام عليها نظام الإفلاس. وقد أكد المنظم هذا الأصل في المادة (1/24) من نظام الإفلاس التي نصت على أن: “تعد العقود التي يكون المدين طرفا فيها قائمة رغم افتتاح اجراء التسوية الوقائية، ويلتزم المتعاقد مع المدين بتنفيذ التزاماته التي تنشأ بعد افتتاح الإجراء، مقابل تنفيذ المدين لالتزاماته الناشئة بعد افتتاح الإجراء”. ويستفاد من هذا النص أن افتتاح إجراءات الإفلاس لا يؤدي إلى زوال الرابطة العقدية، وإنما تبقى العقود قائمة ومنتجة لآثارها، ويظل كل طرف ملتزماً بتنفيذ ما يترتب عليه من التزامات، طالما لم يصدر قرار نظامي يقضي بإنهاء العقد. كما يتضح أن المنظم السعودي فرق بين الالتزامات السابقة على افتتاح الإجراء والالتزامات اللاحقة له فالالتزامات السابقة تعد من ديون التفليسة وتخضع لإجراءات المطالبات وفق أحكام النظام، بينما تعد الالتزامات اللاحقة التزامات ناشئة عن استمرار العقد، ويلتزم المدين أو التفليسة بالوفاء بها في مواعيدها النظامية. وقد نصت المادة (4/24) على أن: “على المدين تنفيذ الالتزامات التي تنشأ بعد افتتاح الإجراء في مواعيد استحقاقها، ما لم يتفق مع الطرف الآخر على غير ذلك”. ويؤكد هذا النص أن المنظم لم يلزم الطرف المتعاقد بالاستمرار في تنفيذ العقد دون مقابل، بل ألزم المدين أو من يمثله بتنفيذ الالتزامات المقابلة تحقيقاً للتوازن بين طرفي العقد. كما أن مجرد افتتاح إجراءات الإفلاس لا يترتب عليه حلول جميع الديون أو سقوط الالتزامات التعاقدية، وإنما تستمر العقود وفق الأحكام النظامية، بما يحافظ على استقرار المعاملات التجارية ويمنع الإضرار بالطرف الآخر بسبب تعثر المدين. ومن ناحية أخرى، فإن العقود المستمرة تختلف بطبيعتها عن العقود الفورية؛ إذ يرتبط تنفيذها بعنصر الزمن، ولذلك كان استمرارها أثناء إجراءات الإفلاس أكثر أهمية، سواء تعلق الأمر بعقود الإيجار أو التوريد أو الخدمات أو الصيانة أو الامتياز التجاري، لأنها ترتبط مباشرة باستمرار النشاط الاقتصادي للمنشأة.
- المطلب الثاني: سلطة أمين الإفلاس في اعتماد العقود أو إنهائها
منح نظام الإفلاس أمين الإفلاس دوراً محورياً في إدارة العقود المستمرة، باعتباره المسؤول عن إدارة أموال التفليسة والمحافظة عليها وتحقيق أفضل عائد ممكن للدائنين. ولا تقتصر مهمته على حصر أصول المدين والتزاماته، وإنما تمتد إلى دراسة العقود السارية وتقييم مدى جدوى استمرارها أو إنهائها في ضوء مصلحة إجراءات الإفلاس. وقد نصت المادة (1/25) من نظام الإفلاس على أنه: “للمحكمة – بناء على طلب المدين أو الأمين بحسب الأحوال، وبعد سماع أقوال الطرف المتعاقد – أن تقرر إنهاء أي عقد يكون المدين طرفا فيه إذا كان ذلك لازماً لحماية نشاط المدين أو لتحقيق مصلحة أغلبية الدائنين، وبشرط ألا يترتب على ذلك ضرر جسيم بالطرف المتعاقد”. ويتضح من هذا النص أن أمين الإفلاس لا يملك إنهاء العقد بإرادته المنفردة، وإنما يقتصر دوره على طلب إنهاء العقد متى تبين أن استمراره يضر بالتفليسة أو يعوق نجاح إجراءات الإفلاس، بينما يبقى القرار النهائي للمحكمة المختصة بعد سماع أقوال الطرف المتعاقد والتحقق من توافر الشروط النظامية. ويستلزم ذلك أن يوازن أمين الإفلاس بين الفائدة الاقتصادية المترتبة على استمرار العقد وبين الأعباء التي قد تتحملها التفليسة نتيجة بقائه، فإذا كان استمرار العقد يسهم في المحافظة على النشاط الاقتصادي أو يزيد من قيمة أصول المدين، فإن الأصل هو استمراره، أما إذا أصبح العقد عبئاً ماليا يؤدي إلى زيادة خسائر التفليسة أو يعرقل إعادة التنظيم المالي، فيجوز طلب إنهائه وفقا للإجراءات التي حددها النظام. كما يتضح من اشتراط موافقة المحكمة أن المنظم السعودي لم يمنح أمين الإفلاس سلطة مطلقة في إدارة العقود، وإنما أخضع قراراته للرقابة القضائية ضمانا لتحقيق العدالة بين أطراف العلاقة التعاقدية، ومنعا للتعسف في استعمال السلطة. ويعكس ذلك حرص النظام على أن تكون جميع القرارات المتعلقة بالعقود المستمرة مبنية على مصلحة التفليسة، دون المساس بحقوق المتعاقدين إلا في الحدود التي يجيزها النظام. كذلك استثنى المنظم بعض العقود من أحكام الإنهاء متى كان ذلك يقتضيه نص نظامي خاص أو حماية للاستقرار المالي والائتماني، الأمر الذي يؤكد أن سلطة إنهاء العقود ليست قاعدة عامة، وإنما استثناء يطبق في الحدود التي تحقق مصلحة إجراءات الإفلاس.
- المطلب الثالث: الضمانات المقررة للطرف المتعاقد مع المدين
حرص المنظم السعودي على ألا تكون إجراءات الإفلاس وسيلة للإضرار بالطرف المتعاقد مع المدين، ولذلك قرر عدداً من الضمانات النظامية التي تكفل حماية مركزه القانوني، وتحقق التوازن بين مصلحة التفليسة وحقوق المتعاقدين. وتتمثل أولى هذه الضمانات في أن افتتاح إجراءات الإفلاس لا يؤدي إلى فسخ العقود أو سقوط حقوق المتعاقد تلقائيا، وإنما تبقى العقود قائمة إلى أن يصدر قرار من المحكمة يقضي بغير ذلك وفقا للأحكام النظامية، ويؤدي ذلك إلى تحقيق قدر من الاستقرار في العلاقات التعاقدية، ويمنع توقف العقود لمجرد تعثر المدين.
ومن الضمانات المهمة أيضاً إلزام المدين بتنفيذ الالتزامات التي تنشأ بعد افتتاح الإجراء، وعدم جواز مطالبة المتعاقد بالاستمرار في تنفيذ العقد دون أن يحصل على المقابل المستحق له. كما منح النظام للطرف المتعاقد حق اللجوء إلى المحكمة إذا أخل المدين أو أمين الإفلاس بالتزاماته، حيث نصت المادة (2/24) على حق المتعاقد في طلب إنهاء العقد إذا لم ينفذ المدين التزاماته الناشئة بعد افتتاح الإجراء. ومن أهم الضمانات كذلك ما قررته المادة (1/25) من اشتراط ألا يترتب على إنهاء العقد ضرر جسيم بالطرف المتعاقد، وهو قيد جوهري يحد من سلطة إنهاء العقود، ويؤكد أن حماية التفليسة لا تكون على حساب الإضرار غير المبرر بالمتعاقدين. ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل إن حق المتعاقد في المطالبة بالتعويض عن الأضرار التي تلحقه بسبب إنهاء العقد لا يسقط بافتتاح إجراءات الإفلاس، وإنما يخضع للأحكام المنظمة للمطالبات في نظام الإفلاس، بما يكفل المحافظة على حقوقه وفق الإجراءات النظامية، ويحق مبدأ المساواة بين الدائنين. ومن ناحية أخرى، فإن هذه الأحكام تتفق مع المبدأ العام الذي قرره نظام المعاملات المدنية، والقاضي بأن العقد شريعة المتعاقدين، فلا يجوز نقضه أو تعديله إلا باتفاق الطرفين أو بمقتضى نص نظامي. ويعد نظام الإفلاس من أهم التطبيقات النظامية التي ترد على هذا الأصل، إذ أجاز في حالات محددة إنهاء بعض العقود المستمرة تحقيقا للمصلحة العامة وحماية لإجراءات الإفلاس، مع الإبقاء على الضمانات الكفيلة بحماية الطرف الآخر. ويخلص مما سبق إلى أن المنظم السعودي لم يجعل حماية المدين أو جماعة الدائنين سبباً لإهدار حقوق المتعاقدين وإنما أقام تنظيماً متوازنا يقوم على استمرار العقود متى كان ذلك محققاً لمصلحة إجراءات الإفلاس، ومنح أمين الإفلاس صلاحيات لإدارة هذه العقود، إلا أنه قيدها برقابة المحكمة وبمجموعة من الضمانات النظامية التي تكفل حماية جميع الأطراف بما يسهم في تحقيق الاستقرار في المعاملات التجارية، ويعزز الثقة في نظام الإفلاس باعتباره وسيلة لمعالجة التعثر المالي دون الإخلال بالمراكز القانونية للمتعاملين مع المدين.
المبحث الثالث: الآثار القانونية المترتبة على استمرار العقود أو إنهائها
يترتب على استمرار العقود المستمرة أو إنهائها أثناء إجراءات الإفلاس آثار قانونية ومالية تتجاوز العلاقة المباشرة بين المدين والطرف المتعاقد، إذ تمتد إلى جماعة الدائنين وإلى أصول التفليسة واستمرار النشاط الاقتصادي للمدين. ولذلك لم يكتفِ المنظم السعودي بتنظيم مسألة افتتاح إجراء الإفلاس، وإنما وضع أحكامًا خاصة لمعالجة العقود القائمة، بحيث يكون استمرار العقد هو الأصل في بعض إجراءات الإفلاس، مع وضع آليات محددة لإنهائه متى كان ذلك ضروريًا لتحقيق أهداف الإجراء. ويظهر من أحكام نظام الإفلاس أن معالجة العقود تختلف بحسب نوع إجراء الإفلاس؛ ففي إجراء التسوية الوقائية قرر النظام بقاء العقود وعدم تأثرها بمجرد افتتاح الإجراء، ونظم حقوق الطرف المتعاقد والتزامات المدين في المواد (22) إلى (25)، بينما وضع في إجراء إعادة التنظيم المالي تنظيمًا أكثر تفصيلًا لإدارة العقود، من خلال إلزام المدين بتقديم قائمة بعقوده السارية، ومنح أمين الإفلاس صلاحية فحصها واتخاذ قرار بشأن إنهائها وفقًا للضوابط المحددة في المواد (60) إلى (62). وبناءً على ذلك، يتناول هذا المبحث الآثار المترتبة على استمرار العقود، ثم الآثار المترتبة على إنهائها وحقوق الأطراف، وأخيرًا أبرز التحديات العملية ومقترحات تطوير التنظيم.
المطلب الأول: الآثار النظامية لاستمرار تنفيذ العقود أثناء إجراءات الإفلاس
يُعد استمرار العقود من أهم الوسائل التي اعتمد عليها المنظم السعودي للمحافظة على النشاط الاقتصادي للمدين، إذ إن مجرد تعرض المدين للتعثر المالي لا يعني بالضرورة توقف جميع علاقاته التعاقدية. فالعقود المستمرة قد تكون مرتبطة بصورة مباشرة باستمرار النشاط، مثل عقود الإيجار والتوريد والخدمات والصيانة والامتياز التجاري، ومن ثم فإن إنهاءها بصورة تلقائية قد يؤدي إلى توقف النشاط وانخفاض قيمة أصول المدين، وهو ما قد يضر بجماعة الدائنين بدلًا من تحقيق مصلحتهم. وقد قررت المادة (22) من نظام الإفلاس عدم حلول آجال الديون أو استحقاق الثمن في العقود التي لم يحل أجل سدادها بمجرد قيد طلب افتتاح إجراء التسوية الوقائية أو افتتاحه، ونصت على أن:
“دون الإخلال بأحكام الفصل (الرابع عشر) من النظام، لا يترتب على قيد طلب افتتاح إجراء التسوية الوقائية أو افتتاحه حلول آجال الديون أو استحقاق الثمن في العقود التي لم يحل أجل سدادها، ويعد باطلًا كل شرط بخلاف ذلك.”
ويؤكد هذا النص أن المنظم لم يسمح بأن يؤدي افتتاح الإجراء إلى التعجيل باستحقاق الالتزامات التعاقدية التي لم يحل أجلها، بما يحافظ على استقرار العلاقة التعاقدية ويمنع تحميل المدين التزامات مالية لم تكن مستحقة أصلًا لمجرد دخوله في إجراء الإفلاس.
كما نصت المادة (23) على حماية العقود القائمة من التأثر بمجرد افتتاح إجراء التسوية الوقائية، حيث قررت:
“دون الإخلال بأحكام الفصل (الرابع عشر) من النظام، لا يرتب قيد طلب افتتاح إجراء التسوية الوقائية أو افتتاحه أثرًا في أي عقد يكون المدين طرفًا فيه، ويعد باطلًا كل شرط بخلاف ذلك.”
وتأتي المادة (24) لتضع الأحكام التفصيلية لاستمرار العقود، فنصت في فقرتها الأولى على:
“تعد العقود التي يكون المدين طرفًا فيها قائمة بصرف النظر عن افتتاح إجراء التسوية الوقائية، ويلتزم المتعاقد مع المدين بتنفيذ التزاماته التعاقدية بعد افتتاح الإجراء، مقابل تنفيذ المدين لالتزاماته التي نشأت بعد افتتاح الإجراء، وتدرج في قائمة المطالبات التزامات المدين التعاقدية التي نشأت قبل افتتاح الإجراء ولم يف المدين بها.”
ويترتب على ذلك التمييز بين نوعين من الالتزامات: التزامات سابقة على افتتاح الإجراء، والتزامات لاحقة له. فالالتزامات التي نشأت قبل افتتاح الإجراء ولم يف المدين بها تدخل ضمن قائمة المطالبات، أما الالتزامات التي تنشأ بعد افتتاح الإجراء فيستمر تنفيذها وفقًا للعقد وأحكام النظام.
وقد أوجب النظام على المدين تنفيذ الالتزامات اللاحقة في مواعيدها، حيث نصت المادة (24/4) على:
“على المدين تنفيذ التزاماته التي نشأت بعد افتتاح الإجراء في آجالها ما لم يتفق مع الطرف الآخر على غير ذلك.”
كما أوجب النظام على المدين بذل العناية اللازمة لضمان الوفاء بهذه الالتزامات، فنصت المادة (24/3) على:
“يلتزم المدين ببذل العناية الواجبة لضمان الوفاء بالتزاماته التعاقدية التي تنشأ بعد افتتاح الإجراء بما في ذلك الوفاء الحال أو ما يقوم مقامه من الضمانات التي تضمن حق المتعاقد عند تنفيذه لالتزاماته وفقًا لما تحدده اللائحة.”
وقد بينت المادة (36) من اللائحة التنفيذية أن بذل العناية الواجبة يشمل تقديم ضمان من المدين أو تقديم ضمان من الغير، بما يوفر حماية إضافية للطرف المتعاقد الذي يستمر في تنفيذ التزاماته بعد افتتاح الإجراء. ومن ثم، فإن استمرار العقد لا يعني تحميل الطرف المتعاقد مخاطر إفلاس المدين دون حماية، بل يقابله التزام المدين بتنفيذ الالتزامات الجديدة في مواعيدها وتوفير الضمانات اللازمة عند طلبها وفق النظام.
وفي المقابل، إذا أخل المدين بالتزاماته التي نشأت بعد افتتاح الإجراء، فقد منح النظام الطرف المتعاقد وسيلة مباشرة لحماية مركزه القانوني، حيث نصت المادة (24/2) على:
“إذا لم يف المدين بعد افتتاح الإجراء بالتزاماته الناشئة عن العمل بالعقود -التي يكون طرفًا فيها- بموجب الفقرة (1) من هذه المادة، فللمحكمة -بناءً على طلب المتعاقد- إنهاء العقد وإبراء المتعاقد من التزاماته التعاقدية دون الإخلال بحقوقه.”
وبذلك يتضح أن استمرار العقد يرتب التزامات متبادلة على الطرفين، ويحقق في الوقت ذاته حماية للنشاط التجاري من التوقف، وحماية للطرف المتعاقد من الاستمرار في تنفيذ التزاماته دون الحصول على المقابل المتفق عليه. أما في إجراء إعادة التنظيم المالي، فقد وضع النظام تنظيمًا أكثر تفصيلًا لإدارة العقود؛ إذ ألزمت المادة (60/1) المدين بأن يقدم إلى الأمين فور تعيينه قائمة تفصيلية بعقوده السارية، مرفقًا بها نسخ من العقود وتقريرًا يبين ما يرغب في استمراره منها أو إنهائه ومسوغات ذلك، كما ألزمت المادة الأمين بفحص هذه العقود والمعلومات المتعلقة بها بعناية. ويترتب على ذلك أن استمرار العقد في إعادة التنظيم المالي لا يكون مجرد استمرار تلقائي دون إدارة، بل يخضع للفحص والتقييم من قبل الأمين، مع بقاء العقد قائمًا إذا لم يصدر قرار بإنهائه وفق الأحكام النظامية. وقد نصت المادة (61/5) على أنه إذا لم يصدر الأمين قرارًا بإنهاء العقد، فإن المدين يكون ملزمًا بتنفيذ أحكام العقد، ما لم يعدل أو يتأثر بالخطة. ومن هنا يظهر الأثر الاقتصادي لاستمرار العقود؛ إذ يمكن أن تكون العقود المستمرة وسيلة للمحافظة على القيمة التشغيلية للمنشأة، وتمكينها من مواصلة نشاطها وتنفيذ خطة إعادة التنظيم، بما قد يؤدي في النهاية إلى تحقيق عائد أفضل للدائنين مقارنة بإنهاء النشاط بصورة فورية.
المطلب الثاني: الآثار النظامية لإنهاء العقود المستمرة وحقوق الأطراف
إذا كان استمرار العقد هو الأصل، فإن إنهاءه يمثل استثناءً لا يتم إلا وفق الضوابط التي حددها النظام. وتختلف آلية الإنهاء بحسب الإجراء الذي يخضع له المدين. ففي إجراء التسوية الوقائية، أجازت المادة (25/1) للمحكمة، بناءً على طلب المدين وفي جلسة يبلغ بها المتعاقد، إنهاء العقد متى توافرت شروط محددة، حيث نصت على:
“للمحكمة -بناء على طلب المدين في جلسة يبلغ بها المتعاقد- إنهاء أي عقد يكون المدين طرفًا فيه إذا كان الإنهاء ضروريًا لحماية نشاطه، وكانت فيه مصلحة لأغلبية الدائنين، على ألا يترتب على الإنهاء ضرر بالغ على المتعاقد، ويجب تبليغ المتعاقد بقرار المحكمة إذا لم يحضر الجلسة. وتحدد اللائحة ضوابط ذلك.”
وبناءً على هذا النص، لا يكفي أن يكون العقد عبئًا ماليًا على المدين، وإنما يجب أن يكون الإنهاء ضروريًا لحماية نشاطه وأن تتحقق فيه مصلحة لأغلبية الدائنين، مع عدم ترتب ضرر بالغ على المتعاقد.
كما قررت المادة (25/2) حماية خاصة لعقود الضمانات، فنصت على:
“استثناء من الفقرة (1) من هذه المادة، لا يجوز إنهاء أي من عقود الضمانات بما في ذلك عقد الرهن إلا وفقًا لأحكام النظام أو الأنظمة ذات العلاقة.”
وبذلك لا تمتد سلطة إنهاء العقود إلى عقود الضمانات بصورة مطلقة، وإنما تظل خاضعة للأحكام الخاصة المنظمة لها. أما في إجراء إعادة التنظيم المالي، فقد منح النظام أمين الإفلاس دورًا أكثر مباشرة في إدارة العقود. فنصت المادة (61/1) على أن للأمين، بعد فحص قائمة عقود المدين والمعلومات والمستندات المقدمة إليه، أن يصدر خلال مدة أقصاها ستين يومًا من افتتاح إجراء إعادة التنظيم المالي قرارًا بإنهاء أي عقد للمدين إذا كان إنهاؤه لازمًا لتنفيذ المقترح بعد التصديق عليه، وحماية مصالح أغلبية الدائنين، وألا يلحق ضررًا بالغًا بالمتعاقد، وذلك بموجب تبليغ مكتوب له. ويترتب على هذا التنظيم أن سلطة الأمين في إعادة التنظيم المالي ليست مطلقة، وإنما قيدها النظام بعدة شروط، أهمها ارتباط الإنهاء بتنفيذ المقترح وحماية مصالح أغلبية الدائنين وعدم إلحاق ضرر بالغ بالطرف المتعاقد. كما منح النظام الأمين سلطة خاصة فيما يتعلق بعقد إيجار العقار الذي يمارس فيه المدين نشاطه، حيث أجازت المادة (61/2) للأمين إنهاء هذا العقد وفق شروط محددة، مع تبليغ المتعاقد كتابة، وقررت أن العقد يعد منقضيًا بعد مضي تسعين يومًا من تاريخ التبليغ، ما لم ينص العقد على مدة أقصر. وفي المقابل، لم يجعل النظام قرار الأمين بالإنهاء بمنأى عن الرقابة القضائية، إذ نصت المادة (61/4) على أن للطرف المتعاقد الاعتراض على قرار الأمين بإنهاء عقده، وتنظر المحكمة في الاعتراض وفقًا للمادة (62). وقد أكدت المادة (62) حماية الطرف المتعاقد، حيث تقضي المحكمة بقبول الاعتراض في الحالات التي يثبت فيها أن إنهاء العقد غير لازم لتنفيذ الخطة وحماية مصالح أغلبية الدائنين، وأنه يلحق ضررًا بالغًا بالمتعاقد، وذلك بالنسبة للحالة المنصوص عليها في المادة (61/1). ومن الآثار المهمة لإنهاء العقد أن حقوق الطرف المتعاقد لا تزول بمجرد الإنهاء، فقد نصت المادة (61/3) صراحة على أن إنهاء الأمين للعقد لا يخل بحقوق المتعاقد، ومن ذلك تقديم مطالبته إلى الأمين بشأن أي ضرر تكبده جراء الإنهاء، وذلك لغرض التصويت على المقترح. وبذلك يترتب على إنهاء العقد انتهاء العلاقة التعاقدية بالنسبة للمستقبل، مع بقاء الحقوق التي نشأت قبل الإنهاء، واحتفاظ الطرف المتعاقد بحقه في المطالبة بما يستحقه من مبالغ أو تعويضات وفق الأحكام النظامية. كما يظهر من التنظيم أن المنظم راعى بصورة خاصة عدم الإضرار بالطرف المتعاقد؛ فليس المقصود من نظام الإفلاس نقل الخسارة كاملة إلى المتعاقد مع المدين، وإنما توزيع آثار التعثر بصورة تحقق مصلحة إجراءات الإفلاس وتحافظ في الوقت نفسه على الحقوق المشروعة للأطراف.
المطلب الثالث: التحديات العملية والاتجاهات القضائية ومقترحات التطوير
على الرغم من التطور الذي اتسم به تنظيم العقود المستمرة في نظام الإفلاس السعودي، إلا أن التطبيق العملي قد يثير عددًا من المسائل التي تحتاج إلى مزيد من الضبط والتفسير. ومن أبرز هذه المسائل تحديد معيار الضرر البالغ أو الجسيم الذي قد يلحق بالطرف المتعاقد. فقد اشترطت المادة (25) عدم ترتب ضرر بالغ على المتعاقد في التسوية الوقائية، كما اشترطت المادة (61) في إعادة التنظيم المالي عدم إلحاق ضرر بالغ بالمتعاقد عند إنهاء العقد. إلا أن تقدير مدى بلوغ الضرر هذه الدرجة يظل مرتبطًا بظروف كل عقد وطبيعة العلاقة التعاقدية والمركز المالي للطرف المتعاقد. ومن التحديات كذلك التوازن بين سرعة إجراءات الإفلاس وحاجة الأطراف إلى الاستقرار التعاقدي؛ فالعقود المستمرة غالبًا ما تكون مرتبطة بالنشاط اليومي للمنشأة، وقد يؤدي التأخر في تحديد مصير العقد إلى زيادة الخسائر على المدين أو المتعاقد معه. كما يبرز تحدٍ آخر يتعلق بتعدد أنواع العقود الحديثة، ولا سيما العقود التقنية والرقمية وعقود الخدمات الإلكترونية والحوسبة السحابية، التي قد يكون استمرارها ضروريًا لاستمرار النشاط، بينما قد لا تتناسب طبيعتها مع الصور التقليدية للعقود التي وضعت الأحكام النظامية في ظلها. ومن ناحية أخرى، يظهر من النظام أن إدارة العقود في إجراء إعادة التنظيم المالي أكثر تفصيلًا من تنظيمها في التسوية الوقائية، حيث أوجب النظام على المدين تقديم قائمة بعقوده السارية، وأوجب على الأمين فحصها، وحدد مدة لاتخاذ قرار الإنهاء، وأتاح للمتعاقد الاعتراض على القرار أمام المحكمة. وهذا التنظيم يعزز الوضوح الإجرائي ويحد من حالة عدم اليقين التي قد تواجه الأطراف.
كما ينبغي التنبه إلى أن المادة (26) قررت استثناءات مهمة من أحكام العقود، حيث نصت على:
“يستثنى من أحكام المواد من (الثانية والعشرين إلى الخامسة والعشرين) من النظام عقود المنافسات والمشتريات الحكومية التي تبرمها الجهات الحكومية مع المدين.”
كما نصت في فقرتها الثانية على:
“يستثنى من أحكام المواد من (الثالثة والعشرين إلى الخامسة والعشرين) من النظام عقود التمويل التي تبرمها الشركات المصرفية أو شركات التمويل مع المدين.”
وتكشف هذه الاستثناءات عن أن المنظم لم يتعامل مع جميع العقود على قدم المساواة، وإنما راعى طبيعة بعض العقود وأهميتها الاقتصادية والتنظيمية، وأخضعها لأحكام خاصة. ويرى الباحث أن أبرز ما يحتاج إلى تطوير هو وضع معايير أكثر وضوحًا لتقدير الضرر البالغ ومصلحة أغلبية الدائنين، حتى لا يختلف تقديرها بصورة كبيرة من حالة إلى أخرى. كما يوصى بتعزيز الأدلة الإرشادية الصادرة عن لجنة الإفلاس المتعلقة بإدارة العقود، وتوضيح أفضل الممارسات التي ينبغي للأمين والمدين اتباعها عند تقييم العقود. كما يوصى بالتوسع في نشر الأحكام القضائية والمبادئ المستقرة المتعلقة بالعقود المستمرة أثناء إجراءات الإفلاس؛ لأن نشر التطبيقات القضائية من شأنه أن يساعد على توحيد التفسير ويمنح المتعاملين قدرًا أكبر من القدرة على توقع الآثار القانونية المترتبة على دخول المدين في إجراءات الإفلاس. ومن المقترحات المهمة كذلك تطوير التنظيم بما يتناسب مع العقود الحديثة، ولا سيما العقود التقنية والرقمية، وبيان كيفية تحديد الحقوق والالتزامات الناشئة عنها عند استمرار العقد أو إنهائه. وبناءً على ما سبق، يتضح أن نظام الإفلاس السعودي أقام تنظيمًا متوازنًا للعقود المستمرة، فلم يجعل إفلاس المدين سببًا تلقائيًا لانهيار علاقاته التعاقدية، وإنما حافظ على العقود متى كان استمرارها محققًا لمصلحة الإجراء، وفي المقابل أتاح إنهاءها عند تحقق شروط محددة، مع تقرير ضمانات للطرف المتعاقد ورقابة قضائية على قرارات الإنهاء. ويؤدي هذا التنظيم في مجموعه إلى دعم استمرارية النشاط الاقتصادي وتعظيم قيمة أصول التفليسة، مع المحافظة على الحقوق المشروعة لأطراف العلاقة التعاقدية.
الخاتمة
تناول هذا البحث موضوع الآثار النظامية للإفلاس على العقود المستمرة في النظام السعودي، وذلك من خلال بيان الإطار النظامي للإفلاس والعقود المستمرة، ثم دراسة كيفية إدارة هذه العقود خلال إجراءات الإفلاس، وبيان الآثار النظامية المترتبة على استمرارها أو إنهائها. وقد أظهر البحث أن المنظم السعودي لم يتخذ من افتتاح إجراءات الإفلاس سببًا تلقائيًا لانقضاء العلاقات التعاقدية القائمة، وإنما وضع تنظيمًا يراعي طبيعة الإجراء وأهدافه، ويسعى إلى تحقيق التوازن بين استمرار النشاط الاقتصادي للمدين، وحماية مصالح الدائنين، والمحافظة على الحقوق المشروعة للطرف المتعاقد. وقد نظم نظام الإفلاس السعودي أثر الإجراءات على العقود من خلال أحكام متعددة، من أبرزها المواد المنظمة للتسوية الوقائية وإعادة التنظيم المالي، حيث قرر استمرار العقود في الأحوال التي يحقق فيها استمرارها مصلحة للإجراء، وأتاح إنهاءها عند توافر الضوابط النظامية، مع توفير حماية للطرف المتعاقد من خلال حقه في المطالبة بحقوقه والاعتراض على القرارات التي تمس مركزه النظامي في الأحوال المقررة. وانطلاقًا من ذلك، يمكن استخلاص النتائج والتوصيات الآتية:
أولاً: النتائج
- أن نظام الإفلاس السعودي يقوم على مبدأ المحافظة على النشاط الاقتصادي متى كان ذلك ممكنًا، ولا ينظر إلى الإفلاس باعتباره وسيلة لتصفية أموال المدين فقط، بل يهدف كذلك إلى معالجة أوضاعه المالية وتعظيم قيمة أصوله وحماية حقوق الدائنين.
- أن افتتاح إجراء الإفلاس لا يؤدي في الأصل إلى إنهاء العقود التي يكون المدين طرفًا فيها بصورة تلقائية، بل تختلف الآثار بحسب نوع الإجراء والأحكام المنظمة له، بما يحقق استقرار العلاقات التعاقدية ويمنع تعطل النشاط لمجرد دخول المدين في أحد إجراءات الإفلاس.
- أن المنظم السعودي وضع حماية خاصة للعقود القائمة في إجراء التسوية الوقائية، إذ إن قيد طلب افتتاح الإجراء أو افتتاحه لا يؤدي إلى حلول آجال الديون التي لم يحل أجلها أو التأثير في العقود التي يكون المدين طرفًا فيها، كما يعد باطلًا الشرط المخالف للأحكام النظامية في الحدود التي قررها النظام.
- أن استمرار العقود يرتب التزامات متبادلة بين المدين والطرف المتعاقد، حيث تستمر الالتزامات الناشئة بعد افتتاح الإجراء، ويلتزم المدين بتنفيذها في مواعيدها، مع التزامه ببذل العناية الواجبة لضمان الوفاء بها، بما في ذلك تقديم ما يلزم من ضمانات وفقًا للأحكام النظامية.
- أن النظام ميز بين الالتزامات السابقة على افتتاح الإجراء والالتزامات الناشئة بعده؛ فالحقوق السابقة التي لم يف المدين بها تخضع لإجراءات المطالبات، في حين أن استمرار العقد يرتب تنفيذ الالتزامات الجديدة وفقًا لأحكام العقد والنظام، وهو ما يسهم في حماية المراكز القانونية للأطراف.
- أن الطرف المتعاقد مع المدين يتمتع بضمانات نظامية متعددة، ومن أبرزها حقه في طلب إنهاء العقد عند إخلال المدين بالتزاماته الناشئة بعد افتتاح الإجراء، وحقه في المحافظة على حقوقه والمطالبة بها وفق الإجراءات النظامية.
- أن تنظيم إنهاء العقود يختلف بحسب إجراء الإفلاس؛ ففي التسوية الوقائية يخضع إنهاء العقد لطلب المدين ورقابة المحكمة وفق الضوابط المقررة، بينما منح النظام في إعادة التنظيم المالي أمين الإفلاس دورًا مباشرًا في فحص العقود السارية واتخاذ القرار بشأن إنهائها ضمن الحدود والشروط النظامية.
- أن رقابة المحكمة تمثل ضمانة أساسية لحماية الطرف المتعاقد، سواء من خلال نظر طلبات إنهاء العقود في الحالات التي اشترط فيها النظام تدخلها، أو من خلال النظر في الاعتراضات على القرارات المتعلقة بإنهاء العقود وفق الأحكام المنظمة لذلك.
- أن إنهاء العقد لا يؤدي إلى سقوط حقوق الطرف المتعاقد، إذ يحتفظ بحقه في المطالبة بما نشأ له من حقوق أو بما تكبده من ضرر بسبب الإنهاء، وفق القواعد والإجراءات المنصوص عليها في نظام الإفلاس.
- أن نظام الإفلاس لم يطبق الأحكام المتعلقة بالعقود على جميع العقود بصورة موحدة، إذ قرر استثناءات لبعض العقود، ومنها العقود المتعلقة بالمنافسات والمشتريات الحكومية وعقود التمويل في الحدود التي نص عليها النظام، وهو ما يعكس مراعاة المنظم لطبيعة بعض العلاقات التعاقدية وأهميتها الخاصة.
- أن التنظيم النظامي للعقود المستمرة يمثل محاولة لتحقيق التوازن بين مصالح متعارضة؛ فمن جهة يسعى إلى تمكين المدين من الاستمرار ومعالجة تعثره، ومن جهة أخرى يحمي الدائنين والطرف المتعاقد من تحمل آثار التعثر بصورة غير عادلة.
ثانياً: التوصيات
- وضع معايير وضوابط أكثر تحديدًا لتقدير الضرر البالغ الذي قد يلحق بالطرف المتعاقد، بما يسهم في تقليل الاختلاف في التقدير عند تطبيق الأحكام المتعلقة بإنهاء العقود.
- توضيح المعايير العملية التي يستند إليها في تقدير ضرورة استمرار العقد أو إنهائه، وبصفة خاصة في العقود ذات الأهمية التشغيلية للنشاط، حتى يكون تقدير مصلحة التفليسة ومصالح الدائنين قائمًا على أسس أكثر وضوحًا.
- تعزيز دور الأدلة الإرشادية والتفسيرية المتعلقة بإدارة العقود المستمرة، بما يساعد المدين وأمناء الإفلاس والمتعاقدين على معرفة الإجراءات والضوابط الواجب مراعاتها عند التعامل مع العقود أثناء إجراءات الإفلاس.
- التوسع في نشر الأحكام والمبادئ القضائية المتعلقة بالإفلاس والعقود المستمرة؛ لما لذلك من أهمية في توحيد التفسير العملي للنصوص، وتعزيز الاستقرار القانوني، وتمكين الباحثين والممارسين من معرفة الاتجاهات القضائية ذات الصلة.
- تطوير الضوابط والمعايير المنظمة لتقدير الضرر البالغ ومصلحة أغلبية الدائنين، بما يحد من التفاوت في التطبيق العملي، ولا سيما التطبيقات المتعلقة باستمرار العقود وإنهائها، لتكوين اتجاهات أوضح بشأن المسائل التي تعتمد على السلطة التقديرية، مثل تقدير الضرر البالغ ومصلحة جماعة الدائنين.
- إعطاء أولوية وسرعة مناسبة للطلبات والمنازعات المتعلقة بالعقود المستمرة، نظرًا إلى أن التأخر في تحديد مصير بعض العقود قد يؤدي إلى خسائر إضافية للمدين أو للطرف المتعاقد، وقد يؤثر في استمرار النشاط الاقتصادي.
- تطوير التنظيم المتعلق بالعقود الحديثة والرقمية والتقنية، بما يتناسب مع طبيعتها الخاصة، خصوصًا العقود التي تعتمد عليها المنشآت بصورة أساسية في تشغيل أنشطتها، مثل عقود الخدمات التقنية والحوسبة السحابية والخدمات الإلكترونية المستمرة.
- تعزيز التزام المدين أو من يدير الإجراء بتقييم العقود السارية في وقت مبكر، لتحديد العقود ذات الأهمية للنشاط والعقود التي يشكل استمرارها عبئًا على الإجراء، بما يحد من استمرار الالتزامات غير المجدية ويعزز كفاءة إدارة التفليسة.
- زيادة التوعية النظامية للأطراف المتعاقدة مع المدين بشأن حقوقهم والتزاماتهم عند افتتاح إجراءات الإفلاس، ولا سيما فيما يتعلق بالفرق بين الحقوق السابقة واللاحقة لافتتاح الإجراء، وطرق تقديم المطالبات والاعتراض على القرارات التي تمس حقوقهم.
- الاستمرار في تطوير أحكام نظام الإفلاس ولائحته التنفيذية وفقًا للتطبيقات العملية، بما يواكب تطور البيئة التجارية وتنوع العلاقات التعاقدية، ويحافظ على التوازن الذي استهدفه المنظم بين إنقاذ النشاط الاقتصادي وحماية حقوق الدائنين والمتعاقدين مع المدين.
وفي ضوء ما سبق، يتبين أن المنظم السعودي وضع إطارًا نظاميًا متقدمًا لمعالجة أثر الإفلاس على العقود المستمرة، يقوم على عدم إنهاء العقود تلقائيًا لمجرد افتتاح الإجراء، مع إخضاع استمرارها أو إنهائها لضوابط تختلف بحسب طبيعة الإجراء والهدف منه. ويعكس هذا التنظيم توجهًا نحو المحافظة على النشاط الاقتصادي وتعظيم قيمة أصول المدين متى كان ذلك ممكنًا، دون إغفال حقوق الدائنين والأطراف المتعاقدة معه. ومع ذلك، فإن أهمية العقود المستمرة وتنوع صورها العملية يقتضيان استمرار تطوير التطبيق النظامي والقضائي، وتوضيح المعايير المتعلقة بإنهائها وآثار ذلك، بما يعزز الوضوح والاستقرار والثقة في المعاملات التجارية وإجراءات الإفلاس.
ثالثاً: المراجع والمصادر
- نظام الإفلاس السعودي.
- اللائحة التنفيذية لنظام الإفلاس.
- نظام المعاملات المدنية السعودي.
- لجنة الإفلاس.



أكتب تعليقا